الجمعة 23 يناير 2026 04:40 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
هل تراعي اختبارات سلامة السيارات أجساد النساء؟ في الواقع، اعتمد مصنعو السيارات لعقود على دمى اختبار صممت وفق مقاييس أجساد الرجال، ما يعني أن نتائج اختبارات التصادم لا تعكس بالضرورة مستوى المخاطر التي تواجهها النساء عند وقوع حوادث السير.
تقرير حديث صادر عن الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة في الولايات المتحدة، نشر في أوائل الشهر الحالي، أكد أن النساء يواجهن مخاطر أعلى من الرجال عند التعرض لحوادث سير.
وتظهر دراسات متراكمة منذ سنوات نمطاً مقلقاً يتمثل في تعرض النساء لإصابات أشد، بل وللوفاة، في حوادث سيارات لا تسفر عن إصابات مماثلة بين الرجال، وهو ما دفع الجهات المرورية الرسمية والباحثين حول العالم إلى تسليط الضوء على هذه الفجوة ومحاولة فهم أسبابها.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة النقل الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تطوير أول دمية لاختبار تصادم المركبات صممت خصيصاً لقياس مستوى سلامة جسم المرأة عند وقوع حادث سير وهي في مقعد السائق، في خطوة قد تمهد لاستبدال النموذج المعتمد منذ عقود، والذي يستند في الغالب إلى خصائص جسم رجل.
فالدمية المستخدمة حالياً في اختبارات سلامة المركبات اعتمدت عام 1978، وصممت وفق مقاييس رجل يبلغ طوله نحو 175 سنتيمتراً ووزنه 78 كيلوغراماً.
أما دمية الاختبار الأنثوية الجديدة، التي يجري تطويرها واختبارها حالياً، فتحمل اسم "ثور-05 إف". وهي أصغر حجماً، وتعكس بدقة أكبر الفروق التشريحية بين الرجال والنساء، بما في ذلك شكل الرقبة والترقوة والحوض والساقين، كما زودت بسترة مطاطية لتمثيل الثديين، وتضم أكثر من 150 جهاز استشعار، وفقاً لوزارة النقل الأميركية.
ماذا تقول الأرقام؟
صدر الصورة، Getty Images
تشير الإحصاءات إلى أن عدداً أكبر من الرجال يفقدون حياتهم سنوياً في حوادث السيارات مقارنةً بالنساء. ويعزى ذلك إلى أن الرجال يقودون، في المتوسط، مسافات أطول، وهم أكثر عرضة لممارسات قيادة خطرة، مثل عدم استخدام حزام الأمان، والسرعة الزائدة، والقيادة تحت تأثير الكحول أو مواد أخرى.
وبناءً على ذلك، تكون الحوادث التي يكون السائقون فيها من الرجال غالباً أكثر خطورة من تلك التي تكون السائقات فيها من النساء.
ومع ذلك، تظهر دراسات عدة أجريت خلال السنوات الماضية أن احتمال إصابة النساء أو وفاتهن في حوادث مماثلة من حيث مستوى الخطورة يبقى أعلى من احتمال إصابة الرجال أو وفاتهم في الحوادث نفسها، وهو ما يثير تساؤلات حول أسباب هذا التفاوت.
وتشير دراسة صادرة عن الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة في الولايات المتحدة إلى أن احتمال إصابة النساء في حوادث التصادم الأمامي يزيد بنسبة 73 في المئة مقارنةً بالرجال، كما ترتفع احتمالية وفاتهن في حوادث السيارات بنسبة 17 في المئة.
وفي حين يرجع بعض الباحثين هذه الفروقات إلى اعتماد اختبارات السلامة على دمى صممت وفق مقاييس أجساد الرجال، يرى آخرون أن اختلاف أنواع المركبات التي يقودها الرجال والنساء، وظروف الحوادث نفسها، قد يسهم أيضاً في تفسير هذا التباين.
وتدعم هذا الطرح، إلى حد ما، نتائج دراسة أجرتها الإدارة نفسها عام 2022، خلصت إلى أن الفجوة في خطر الوفاة بين السائقين من الجنسين في المركبات الحديثة قد تقلصت، بفضل التحسينات التي أدخلت على تصميم أنظمة السلامة والأمان.
كيف تختبر سلامة السيارات؟
صدر الصورة، Getty Images
شهدت اختبارات تصادم السيارات تطوراً كبيراً على مدى العقود الماضية، سواء من حيث المنهجية أو الأدوات المستخدمة.
ففي مراحلها الأولى، خلال ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، استخدمت شركات تصنيع السيارات وسائل تعد اليوم صادمة، شملت جثثاً بشرية وحيوانات، مثل الشمبانزي وقرود البابون والخنازير والكلاب، كما شارك متطوعون أحياء في بعض تجارب التصادم.
وفي عام 1934، أجرت شركة جنرال موتورز الأميركية أولى اختبارات التصادم باستخدام الحواجز، واعتمدت خلالها على جثث بشرية لدراسة تأثير الحوادث على جسم الإنسان داخل السيارة، وأسهمت تلك التجارب في تطوير عناصر أساسية في أنظمة السلامة، مثل لوحات القيادة المبطنة.
ولا تزال الجثث البشرية تستخدم، في نطاق محدود، في بعض أبحاث تصادم السيارات حيثما تسمح المعايير الأخلاقية بذلك، نظراً لما توفره من بيانات دقيقة حول استجابة الأعضاء الداخلية والأنسجة البشرية، وهي جوانب لا تستطيع دمى الاختبار محاكاتها بالكامل.
في المقابل، توقفت شركات السيارات عن استخدام الحيوانات الحية في اختبارات التصادم منذ عقود، نتيجة الضغوط الشعبية والمخاوف الأخلاقية، إضافة إلى محدودية النتائج بسبب الفروق التشريحية الكبيرة بين الحيوانات والبشر. ومع ذلك، استمر بعض المصنعين الكبار في استخدام هذه الممارسة حتى عام 1993.
صدر الصورة، Getty Images
وعلى الرغم من حظر هذه الممارسات أو التخلي عنها إلى حد كبير في الدول الغربية، أشار تقرير نشر عام 2019 في المجلة الدولية لسلامة المركبات أثناء التصادم إلى أن بعض المؤسسات في الصين واصلت استخدام خنازير وكلاب حية في أبحاث التصادم.
وكان أول نموذج لدمية اختبار تصادم قد طور عام 1949، ما مهد لاحقاً لاعتماد دمى اختبار موحدة في سبعينيات القرن الماضي، عرفت باسم الدمى الهجينة (Hybrid). ولا تزال حتى اليوم تستخدم الدمية التي طورتها شركة جنرال موتورز الأميركية، والتي جرى توحيد اعتمادها رسمياً عام 1978.
أما في الوقت الراهن، فتشمل اختبارات التصادم دمى متطورة تخضع باستمرار لتعديلات في التصميم، وتستعين بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأجهزة استشعار دقيقة، ونمذجة حاسوبية تحاكي سيناريوهات واقعية لإجراء تحليل شامل لمستويات السلامة.
متى نتوقع سيارات أكثر أماناً للجميع؟
صدر الصورة، Getty Images
لطالما كانت اختبارات سلامة السيارات موضع جدل. غير أن النقاش الأخلاقي الأكثر إلحاحاً اليوم يتمحور حول جعل السيارات أكثر أماناً لملايين النساء حول العالم، في وقت تراجعت فيه إلى حد كبير الإشكاليات المرتبطة باستخدام الحيوانات الحية أو الجثث البشرية في الأبحاث.
وعلى الرغم من الخطوة الفدرالية الإيجابية الأخيرة في الولايات المتحدة، فإن اعتماد دمية الاختبار الأنثوية الجديدة "ثور-05 إف" ضمن الاختبارات الفدرالية بشكل رسمي ونهائي لا يتوقع قبل عامي 2027 أو 2028.
وحتى بعد ذلك، قد يستغرق تطبيق المعايير الجديدة من جانب شركات تصنيع السيارات وقتاً أطول، إذ أبدى بعض المصنعين وشركات التأمين تحفظات حيال جدوى هذه الاختبارات، معربين عن مخاوف تتعلق بالمبالغة في تقدير المخاطر أو تقويض فعالية أنظمة السلامة الحالية. في المقابل، يواصل مؤيدو التغيير الضغط من أجل فرض هذه المتطلبات.
ويهدف إدخال الدمية الجديدة إلى سد فجوة السلامة بين السائقين من الرجال والنساء، بما يفضي إلى سيارات أكثر أماناً للجميع. ويبقى السؤال المطروح: هل تقترب السيارات فعلاً من توفير مستوى حماية أفضل للنساء؟
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :