الاثنين 15 يونيو 2026 06:52 مساءً لم يكن من قبيل المصادفة على الإطلاق أن يتزامن الإعلان عن التوصل إلى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بشأن مذكرة التفاهم لمعالجة القضايا العالقة بينهما، مع تصدر دولة قطر «مؤشر السلام العالمي لعام 2026» بحصولها على المركز الأول على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
هذا التزامن له مغزاه إذا ما أخذنا في الحسبان الجهود الكبيرة التي بذلتها دولة قطر، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، في دعم مساعي الحوار والتقارب بين الأطراف، وما اضطلعت به من دور فاعل في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدفع نحو الحلول السلمية للقضايا العالقة، عبر الحوار والوسائل السلمية، وبما يتوافق مع مبادئ القانون الدولي وحسن الجوار، وهي الجهود التي حظيت بتقدير واسع على المستويين الإقليمي والدولي.
في الواقع لا يمكن لأي دولة في العالم أن تنهض بدور الوسيط ما لم تكن تمتلك مؤسسات فاعلة، وقدرات وطنية، وتماسكا مجتمعيا، للحفاظ على الأمن والسلامة والاستقرار، وهي عوامل مهمة لتحقيق التنمية المستدامة، وجذب الاستثمارات، وتحسين جودة الحياة، كانت كلها وراء هذا الترتيب المتقدم لدولة قطر في مؤشر السلام العالمي، الأمر الذي مكن الدوحة من النهوض بأدوار دبلوماسية كبيرة هدفها تحقيق الأمن والسلام للمنطقة والعالم.
لقد استطاعت دولة قطر في ظل القيادة الرشيدة لصاحب السمو أن تفعل كل ذلك، منذ أن قررت تبني مبدأ حل النزاعات بالوسائل السلمية، والحوار والدبلوماسية الوقائية والوساطة والمساعي الحميدة كأولوية في سياستها الخارجية، ويعتبر ذلك التزاماً دستورياً لدولة قطر، إذ تنص المادة السابعة من دستور الدائم الصادر في عام «2003» بأن تكون السياسة الخارجية القطرية قائمة على مبدأ تعزيز الأمن والسلم الدوليين، من خلال التشجيع على فض المنازعات بالطرق السلمية والتي أًصبحت ركنا أساسيا من أركان السياسة الخارجية لدولة قطر، حيث تتمتع دولة قطر بسمعة عالمية كوسيط محايد وموثوق يتم دعوته من قبل الأطراف المتنازعة نتيجة تلك السمعة، وترحب بالقيام بأدوار الوساطة في حال موافقة جميع الأطراف المتنازعة على قيامها بذلك الدور.
كما عملت دولة قطر على تعميق التعاون المؤسسي وتأطير شراكتها مع عدد من الدول القيادية في مجال الوساطة وتسوية المنازعات، وذلك من خلال التوقيع على عدد من مذكرات تفاهم في مجال السلام والمصالحة وحل النزاعات، وشمل ذلك التوقيع مع كل من مملكتي السويد والنرويج، وجمهورية فلندا.
كما عززت قطر جهودها في صنع السلام الدولي من خلال استراتيجيتها المتعددة ونهجها الذي يقوم على الشمولية، ومن خلالها أسست قنوات للتواصل مع الجهات والفاعلين ما دون الدولة، بالإضافة إلى إنشاء قنوات مع الفئات الأقلية أو المهمشة مثل النازحين والنساء، حيث تتبنى دولة قطر نهجاً شمولياً في دعم مسارات الحوار في مساعيها الحميدة وساطاتها، وتشمل دعم مسارات الحوار على المستويات الرسمية أو غير الرسمية لتعزيز بناء السلام وحل النزاعات.
وهكذا برز دور قطر في هذا المجال منذ العالم «2004» حيث شهدنا تصاعدا في جهود الدوحة بمجال الوساطة والمساعي الحميدة، وشمل ذلك الخوض في عدد من الوساطات لتحقيق عدة أهداف:
{ وقف إطلاق النار.
{ استعادة العلاقات الدبلوماسية.
{ الإفراج عن الرهائن، وتبادل الأسرى.
{ دعم الحوارات الوطنية.
{ إنهاء النزاعات الحدودية.
{ تعزيز الجهود الإنسانية.
{ التوصل إلى اتفاقيات السلام في العديد من الصراعات على المستويين الإقليمي والدولي.
وكان الإنجاز الأحدث التوصل إلى اتفاق حول مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، عقب جهود دبلوماسية معقّدة ومتعددة الأطراف، لعبت فيها دولة قطر دورا داعما، في خطوة اعتبرت تطورا بارزا على صعيد خفض التوتر في المنطقة وتعزيز الاستقرار الدولي، وكان للاتصالات العديدة والمكثفة التي أجراها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الإيراني الدكتور مسعود بزشكيان، والعديد من قادة الدول الشقيقة والصديقة، الدور الأبرز والأكثر أهمية في التوصل إلى مذكرة التفاهم هذه، وقد جاء اتصال صاحب السمو مع الرئيس الأميركي، في الحادي عشر من الشهر الجاري، والذي جرى خلاله استعراض نتائج المشاورات والتفاهمات التي تمت بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أفضت إلى إحراز تقدم في التفاهمات المطروحة في إطار المسار التفاوضي، ليشكل علامة فارقة في الجهود التي بذلت من أجل تحقيق تقدم في هذه المفاوضات، إلى جانب سلسلة الاتصالات والاجتماعات واللقاءات والزيارات الخارجية التي أجراها معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، لخفض التصعيد ودعم مسارات الحوار، إضافة إلى مناقشة التفاهمات المرتبطة بالحد من التوتر وإنهائه وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مع التركيز على ضمان أمن الملاحة البحرية واستمرارية سلاسل الإمداد والطاقة العالمية.
كما أجرى معاليه، اتصالا هاتفيا يوم السبت الماضي مع السيد محمد شهباز شريف رئيس الوزراء بجمهورية باكستان الإسلامية، جرى خلاله مناقشة آخر تطورات الأوضاع في المنطقة، وجهود الوساطة الباكستانية الهادفة لخفض التصعيد بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار، حيث أعرب معاليه عن ارتياح دولة قطر البالغ للتقدم الذي أحرزته المفاوضات، وإعلان الوساطة الباكستانية عن التوصل للنص النهائي للاتفاق، مجددا دعم دولة قطر الكامل لجهود الوساطة الباكستانية الرامية إلى إنهاء الأزمة بالطرق السلمية.
ينسجم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران، مع مرتكزات وأولويات سياسة دولة قطر الخارجية ونهجها الثابت في تبني الحلول السياسية لإنهاء النزاعات، بدلا من الحروب والمواجهات العسكرية التي تستنزف الموارد المادية والبشرية وتعيق جهود التنمية والتقدم والبناء، ويؤكد الاتفاق بين الجانبين الأميركي والإيراني حيوية ومحورية الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي قامت بها دولة قطر عبر سلسلة اتصالات مع العديد من قادة ومسؤولي الدول الشقيقة والصديقة والقادة الإقليميين والدوليين، إلى جانب اجتماعات جماعية وثلاثية وثنائية على هامش مؤتمرات إقليمية ودولية، أظهرت جميعها تنسيقا قطريا واسع النطاق لدعم مسار التهدئة وتعزيز الحوار كخيار إستراتيجي لحل الأزمة الراهنة ومعالجة أزمات المنطقة عموما، مع التأكيد المستمر على ضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية وتجنب التصعيد.
ومع أن الأنظار تتجه إلى سويسرا لمتابعة توقيع مذكرة التفاهم يوم الجمعة المقبل، فإن الأمل معقود على نجاح المفاوضات التي ستلي التوقيع على هذه المذكرة، من أجل التوصل إلى حل لجميع القضايا الشائكة الأخرى، والتوصل إلى اتفاق دائم يعيد الأمن والاستقرار إلى هذه المنطقة، ويفتح صفحة جديدة عنوانها التعاون القائم على الاحترام والمصالح المشتركة ليتحول الخليج إلى بحيرة استقرار وازدهار.
يعبر مضيق هرمز أكثر من «20» مليون برميل من النفط يوميا، ويمثل هذا الحجم نحو «20 %» من الاستهلاك العالمي للنفط، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم، وفي الوقت نفسه، يمر عبر المضيق ما يقارب خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ولا يقتصر دور هرمز على النفط والغاز، إذ يشكل المضيق أيضا ممرا مهما للبتروكيماويات والأسمدة المنتجة في الخليج والمصدرة إلى الأسواق الزراعية في مختلف أنحاء العالم، وبالتالي يؤثر هذا الممر المائي ليس فقط في أسواق الطاقة، إنما في تكلفة المدخلات الزراعية وإنتاج الغذاء على حد سواء.
من هنا يمكن فهم أهمية تحقيق سلام مستدام، وتطوير العلاقات بين دول مجلس التعاون وإيران، التي تحتاج في مجموعها إلى التعاون البناء، في سبيل ضمان بقاء هذه المنطقة الحيوية من العالم في منأى عن الفوضى والاضطراب، ومذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها، تشكل مدخلا مهما للغاية على صعيد تحقيق أمن مستدام يسمح بتدفق الصادرات من مضيق يجب النظر إليه من باب النقطة التي تتلاقى بها الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والسياسة، وبمعنى أدق فإن هذه المنطقة يجب أن تتحول إلى التعاون والتنسيق، ومنح السلام فرصة حقيقية وإيجاد قواسم مشتركة، لما فيه مصلحة الجميع على قدم المساواة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :