اخبار العرب -كندا 24: السبت 30 مايو 2026 09:51 صباحاً ملاحظة المحرر: أنطوانيت رادفورد، عضوة في فريق CNN Creators، وتأخذ من الدوحة في قطر مقرّا لها.
(CNN)-- لديّ هذا المساء جلسة في النادي الرياضي، وجلسة تمارين "بيلاتس" الثلاثاء، وهناك مقابلة عليّ إجراؤها الأربعاء. دوّنتُ كل ذلك في مفكرتي الجديدة التي اشتريتها حديثًا، لأنّ هاتفي الذكي لن يذكّرني بأي شيء.
أرسلتُ إلى والديّ رسالة إلكترونية تتضمن رقم هاتفي المؤقّت، وهو أمر آخر اشتريته، وأخبرتهما أنّني سأتواصل معهما بعد خمسة أيام.
أنا لا أنوي الانقطاع عن العالم، بل في الحقيقة لن أغادر لأي مكان. كل ما في الأمر أنّني قرّرت الاستغناء عن هاتفي الذكي لمدة أسبوع.
بعدما تلقيت عددًا لا يُحصى من الإعلانات الموجّهة حول كيف تقودنا الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي إلى الإرهاق النفسي، وهو شعور يفقد فيه الإنسان طاقته وإحساسه بالانتماء وتتراجع ثقته بنفسه، قرّرت فصل نفسي عن هاتفي لأسبوع عمل كامل.
وقبل بدء تجربتي، تحدثتُ مع عالم الأعصاب تي جاي باور، المتخصص في إدمان الهواتف، لأحصل منه على بعض النصائح حول كيفية الابتعاد عن الهاتف والاستمرار في ذلك.
قال لي باور: "أدمغتنا تتعرض لتحفيزٍ مفرط بشكلٍ هائل، وهذا يستنزف مستقبلات الدوبامين لدينا".
والدوبامين، ناقل عصبي في الدماغ يمنحنا الشعور بالسعادة والحماس. وقد ارتبط بالإحساس بالمتعة، والمكافأة، والتحفيز، بحسب ما أوضحته سابقًا الدكتورة آنا ليمبكه، أستاذة الطب النفسي والعلوم السلوكية بكلية الطب في جامعة ستانفورد، لـCNN.
وتحذّر ليمبكه، مؤلفة كتاب "أمّة الدوبامين "الأشخاص دومًا من أنهم سيشعرون بالسوء أولًا قبل أن يبدأوا بالشعور بالتحسن"، وذلك حين سُئِلت عن اقتراحها بالامتناع عن الأشياء التي تحفّز إفراز الدوبامين.
قد يهمك أيضاً
جاء قراري بالتخلي عن هاتفي في الوقت ذاته الذي كانت تُعقد فيه محاكمة بارزة تتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، حيث واجهت شركات التكنولوجيا الكبرى تساؤلات حول ما إذا كانت منصاتها تسبّب الإدمان لبعض المستخدمين.
وفي نهاية المطاف، خلصت هيئة المحلفين إلى أنّ شركتي "ميتا" و"يوتيوب"، المملوكتان لـ"غوغل" كانتا مهملتين عند تصميم منصاتهما، وعلى دراية بخطورة هذا التصميم ولم تحذّرا المستخدمين من مخاطره، ما تسبب بأضرار جسيمة للمدّعي.
لم أكن أعتقد أنّني مدمنة على الهاتف. كنتُ أظن أنّني أستخدمه بالقدر نفسه الذي يستخدمه أي شخص آخر.
لكن في فترة الظهيرة خلال أحد أيام الجمعة قبل بدء تجربتي، كنتُ قد التقطت هاتفي 88 مرة.
بداية التجربةحلّ صباح الاثنين، وكان عليّ الذهاب إلى جلسة علاج طبيعي تبعد نحو نصف ساعة بالسيارة.
ركبتُ سيارة أجرة ووضعتُ هاتفي في أعماق حقيبتي، وبدأت الرحلة من دون الموسيقى التي اعتدتُ سماعها عبر سماعاتي.
قد يهمك أيضاً
ربما يُعتبر احتفاظي بالهاتف نوعًا من الغش، لكنني أبقيته معي تحسبًا لأي أمر طارئ.
ولأول مرة منذ أربعة أشهر على انتقالي إلى مدينة جديدة، انتبهتُ إلى وجود حديقة كنت أنوي زيارتها منذ مدة.
كما لاحظتُ أنّ سائق السيارة حكّ رأسه باستمرار، وهو أمر كان سيفوتني لو انشغلتُ بهاتفي.
لكن بعد خروجي من الجلسة، استسلمت سريعًا لهاتفي، فمع أنّني أحضرت بطاقات البنك للدفع، لم أتحقق من رصيد حسابي مسبقًا.
فشلت عملية الدفع، واضطررت إلى إخراج الهاتف للاطلاع على حسابي وتحويل بعض المال إليه.
ومن ثمّ أعدتُ الهاتف إلى الحقيبة، عازمة على الابتعاد عنه بقية اليوم. ونجحت فعلًا.
المحاولة من جديد في اليوم التاليفي اليوم التالي، وعدتُ نفسي بألا أنظر إلى هاتفي إطلاقًا.
بدأ صباح الثلاثاء بشكلٍ ممتاز، فذهبت إلى النادي الرياضي من دون سماعات أو موسيقى، ومن دون هاتفي الذي أستخدمه عادة لتتبع التمارين.
ومن ثمّ توجهتُ إلى العمل مع زميل يسكن في المبنى ذاته، وبدأ يومي بشكلٍ طبيعي، إلى أن حلّ منتصف بعد الظهر.
بدأتُ التجربة أثناء المكوث في بلد ذي أغلبية مسلمة (قطر)، وكان شهر رمضان قد بدأ مساء ذلك الثلاثاء.
وخلال هذا الشهر، تُغلق العديد من المتاجر أبوابها. ولم أكن قد اشتريتُ ما يكفي من الاحتياجات، لذا اضطررت للاستعانة بالإنترنت لشراء بعض الأساسيات قبل المساء.
وكان هذا مسموحًا ضمن "الديتوكس الرقمي"، بحسب زملائي، إذ يمكنني استخدام الحاسوب للعمل، لكن المطلوب فقط أن أبتعد عن الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي.
أضفتُ مشترياتي إلى سلة التسوق الإلكترونية، وتذكرتُ أنّ حسابي البنكي يرسل رمز المصادقة الثنائي إلى هاتفي الشخصي.
حاولت تسجيل الدخول إلى بريدي الإلكتروني عبر حاسوب العمل لكن كلمة المرور كانت خاطئة. فلم يبقَ أمامي سوى حل واحد: رسالة تأكيد تُرسل إلى جهازي الموثوق لإثبات هويتي. وجهازي الموثوق، بالطبع، كان هاتفي.
بداية التأقلمكان الأربعاء اليوم الأكثر نجاحًا حتى الآن. ذهبتُ صباحًا إلى النادي الرياضي، وركبتُ سيارة برفقة صديقة، وتركتُ هاتفي داخل دُرجٍ بالمنزل. وبذلك، حتى لو أردتُ استخدامه، لم يكن بوسعي الوصول إليه.
وكان باور قد حذرني مسبقًا من أنّني سأمر بأعراض انسحاب، مثل القلق أو تدنّي الحالة المزاجية أو الشعور بالإرهاق نتيجة غياب التحفيز المستمر الذي يمنحه الهاتف.
وكان محقًا تمامًا، فبعد ثلاثة أيام فقط، شعرتُ بإرهاق شديد للغاية.
كنتُ أستيقظ كل صباح وكأنّني لم أنم بما يكفي، رُغم أنّ التغيير الوحيد الواضح في حياتي كان الابتعاد عن الهاتف.
وتوصي ليمبكه بفترة امتناع تمتد لثلاثين يومًا تُعرف أيضًا باسم "صيام الدوبامين"، لأنّ الدماغ يحتاج إلى أربعة أسابيع تقريبًا لإعادة ضبط مسارات المكافأة لديه.
تواصلتُ مجددًا مع باور وسألته إن كان هذا الإرهاق مرتبطًا بابتعادي عن الهاتف، فقال: "للدوبامين قريب في أجسامنا يُسمى الأدرينالين".
والأدرينالين هرمون وناقل عصبي مسؤول عن استجابة "القتال أو الهروب"، كما يساعد على نقل الإشارات عبر الجسم.
وأضاف: "ربما لستِ أكثر إرهاقًا الآن، بل ربما كنتِ مرهقة أصلًا، لكن الهاتف كان يخفي ذلك عنكِ، فنحنُ لا ندرك مدى إرهاقنا إلا عندما يتوقف جزء من التحفيز الخارجي".
العمل يملأ يوميكان الخميس يوم عرض في CNN Creators، وكنتُ منشغلة للغاية، لذلك لم أفتقد هاتفي كثيرًا. وبعد أربعة أيام، بدأت أعتاد فعلًا على غيابه. لكن الإرهاق ما زال يلازمني.
كان فريقي يتحدث عن فيلم "Wuthering Heights" والجدل الدائر حوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومن دون هاتفي، فاتني تمامًا كل ما كان يُقال عبر الإنترنت بشأنه.
كما بدأتُ أشتاق إلى أصدقائي في لندن وعائلتي في أستراليا، وراودتني رغبة قوية بالعودة إلى هاتفي للتواصل معهم.
حان وقت السفر يوم الجمعةهل تخيلت يومًا كيف سيكون السفر عبر مطار دولي من دون هاتفك؟
عندما أدركتُ أنّ موعد رحلتي يقع خلال أسبوع "الديتوكس"، عرفتُ أن ّعليّ الاستعداد جيدًا لهذه المغامرة.
طلبت سيارة أجرة إلى المطار، لكن السعر الذي قيل لي كان مختلفًا عن المبلغ الذي طُلب مني دفعه، ومن دون هاتفي لم أستطع حتى المجادلة أو التحقق من الأمر.
وفي المطار، اضطررتُ إلى إنهاء إجراءات السفر يدويًا، وكان عليّ أولًا تجاوز نقطة تفتيش يَطلب فيها الموظفون إبراز تأكيد الحجز، الذي لم أقم بطباعته.
شرحتُ لهم موقفي، وتمكنت أخيرًا من الوصول إلى مكتب التسجيل. وبعد الانتهاء، اشتريتُ كوبًا من القهوة وجلست أمام اللوحة التي تعرض الرحلات، مدركةً أنّني لن أتلقى أي إشعار على هاتفي بشأن بوابتي.
صعدت على متن الطائرة من دون سماعات أو موسيقى، لكن جلبتُ ورقة كتبتُ فيها جميع الأرقام المهمة.
أرسلت رسالة إلى صديقتي عبر هاتفي المؤقت لأتأكد من عنوانها، ومن ثمّ نمت طوال الرحلة.
وعندما وصلت، توجهت إلى منطقة وسائل النقل الأرضية، وأعطيتُ السائق عنوان صديقتي، ووصلتُ إلى المكان.
وبعد ساعات قليلة، انتهت التجربة.
ما زلت أشعر بالإرهاق، لكن ذاكرتي أصبحت أفضل بكثير، وكدت أنسى أصلًا أنّني لا أستخدم الهاتف.
الابتعاد عنه أعاد إليّ القدرة على تذكّر الأشياء من دون الحاجة المستمرة للنظر إلى الشاشة.
أعلم أنّ اعتمادي على الهاتف قد يعود تدريجيًا، لذا قطعتُ وعدًا على نفسي: سأكرّر هذه التجربة مرة أخرى الشهر المقبل.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :