Arabnews24 | اخبار كندا

بروتينات أسنان تكشف ماهية التزاوج بين أنواع البشر

اخبار العرب -كندا 24: الخميس 21 مايو 2026 09:03 صباحاً (CNN) -- كان إنسان ما قبل التاريخ، المعروف باسم "هومو إريكتوس" (الانسان المنتصب)، أول أسلاف البشر الذي غادر إفريقيا، وعَبَر القارات وتجوّل في أنحاء الكوكب لنحو مليوني عام. وما برح هذا النوع يُشكّل لغزًا كبيرًا في أصول الإنسان بسبب ندرة المواد الجينية المتاحة لدراسته.

غير أنّ علماءً نجحوا في استخراج بروتينات قديمة من ستة أسنان عُثر عليها في الصين، تكشف للمرة الأولى عن رابط جزيئي بين الإنسان المنتصب وأنواع بشرية لاحقة، بينها نوعنا البشري، الإنسان العاقل (Homo Sapiens).

وقال راين ماكراي، عالم الأنثروبولوجيا القديمة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي التابع لمؤسسة سميثسونيان في واشنطن، غير المشارك في الدراسة: "يُمثّل هذا تقدمًا كبيرًا لجهة ربط الفروع المكسورة في شجرة تطور البشر"، مشيرًا إلى أنّه "لطالما كان الإنسان المنتصب أشبه بلغز محيّر".

وقد عُثر على بقايا الإنسان المنتصب في إفريقيا وآسيا وأوروبا، لكن الحصول على بيانات جزيئية مفيدة، مثل الحمض النووي، أثبت صعوبة كبيرة بسبب عمر الأحافير وسوء حفظها.

قد يهمك أيضاً

وفي دراسة نُشرت في مجلة Nature العلمية، الأربعاء، نجحت عالمة الوراثة الصينية فو تشياومي وزملاؤها في استخراج وتحليل بروتينات قديمة من مينا الأسنان التي اكتُشفت في ثلاثة مواقع بالصين. وتعود جميعها إلى نحو 400 ألف عام.

وتُعد البروتينات التي تتكوّن من سلاسل من الأحماض الأمينية، أكثر صلابة من الحمض النووي القديم، وهو جزيء هش يتحلّل بسهولة نسبيًا. ورغم أنّ البروتينات تحتوي على معلومات أقل تفصيلًا، فإنها تستطيع المساعدة على كشف بعض جوانب التاريخ التطوري للعيّنة.

واستخدمت فو، أستاذة في معهد علم حفريات الفقاريات وعلم الإنسان القديم التابع للأكاديمية الصينية للعلوم ببكين، مع فريقها، تقنية جديدة أقل تدخّلًا لدراسة الأحافير من دون إلحاق ضرر بشكلها الخارجي.

وعوض الحفر، استخدم الباحثون النقش الحمضي لإزالة عينة صغيرة من مينا الأسنان. ولم يحاول الفريق استخراج الحمض النووي من الأحافير بعدما فشل في استخراجه سابقًا من أحافير حيوانية من الحقبة الزمنية ذاتها وفي المواقع عينها.

وقالت فو إنّ الحصول على الحمض النووي كان صعبًا، لكنها أكدت أنها "لن تستسلم أبدًا".

عُثر على سنّيْن في موقع هيشيان في مقاطعة آنهوي شرقي الصين.تصوير: Hexian Culture, Tourism and Sports Bureau, Ma’anshan
اكتشاف مُتحوّر غير معروف

وجد الباحثون أنّ العيّنات المستخرجة من المواقع الثلاثة في الصين تشترك في متحوّرين من الأحماض الأمينية، أحدهما لم يكن معروفًا سابقًا. ورأى الباحثون أن هذه النتيجة تشير إلى أنّ الأسنان جميعها تعود إلى النوع ذاته.

أما المتحوّر الثاني، فقد جرى التعرّف إليه سابقًا لدى الدينيسوفان، نوع غامض آخر من البشر القدماء، إضافة إلى بعض المجموعات البشرية الحديثة.

قد يهمك أيضاً

وبحسب الدراسة، فإن وجود هذا المتحوّر لدى أنواع بشرية مختلفة يشير إلى أن الدينيسوفان تزاوجوا في مرحلة ما مع الإنسان المنتصب، ثم تزاوجوا لاحقًا مع الإنسان العاقل.

ونتيجة لذلك، ما تزال آثار من الحمض النووي للدينيسوفان موجودة لدى بعض البشر اليوم، وهي ظاهرة يسميها علماء الوراثة "الاختلاط الجيني".

وبالمثل، تحمل مجموعات بشرية حديثة أيضًا أصولًا وراثية من إنسان نياندرتال، في إرث يعود إلى تفاعلات قديمة مع هذا النوع الذي انقرض قبل نحو 40 ألف عام. كما تزاوج الدينيسوفان أيضًا مع إنسان نياندرتال.

وتملك المجموعات البشرية الحديثة في جنوب شرق آسيا أعلى نسبة من الأصول الوراثية الدينيسوفانية، ما يشير إلى أن المجموعتين التقتا هناك في مرحلة ما من الماضي.

واستُخرجت سنّ أخرى استُخدمت في الدراسة من موقع تشوكوديان قرب بكين، حيث عُثر على بقايا "إنسان بكين".Credit: Qiaomei Fu
"سلالة شبحية"

كان علماء الوراثة يعلمون أن الدينيسوفان يحملون بعض الأصول الوراثية من "سلالة شبحية" مجهولة لا يوجد لها تطابق معروف في الحمض النووي، وكان الإنسان المنتصب أحد المرشحين المحتملين، بحسب إدوارد بوب، الباحث في مركز Naturalis للتنوّع الحيوي في مدينة لايدن الهولندية.

وقال بوب لـCNN: "تعزز هذه الدراسة هذا الرابط".

ويعمل بوب مع باحثين لفهم ما إذا كانت معلومات البروتين ما تزال محفوظة في أحافير الإنسان المنتصب التي عُثر عليها في إندونيسيا.

وأضاف: "تشير الدراسة إلى أن مجموعات مرتبطة بالإنسان المنتصب في شرق آسيا ربما ساهمت وراثيًا في الدينيسوفان، ومن طريقهم بشكل غير مباشر في بعض البشر المعاصرين". 

وتابع: "يتماشى ذلك مع رؤية تعتبر تطور البشر في آسيا شبكة من المجموعات التي تداخلت أحيانًا وتزاوجت، بدلًا من كونها فروعًا منفصلة ومعزولة بوضوح". 

ومن خلال ما توصل العلماء إلأيه من معلومات البروتين، تمكنوا أيضًا من تحديد جنس الأحافير، إذ تبين أنها تعود إلى خمسة ذكور وأنثى واحدة، بعدما حددوا مؤشرًا خاصًا بالجنس في جين موجود في مينا الأسنان على الكروموسوم Y.

قد يهمك أيضاً

نجحت دراسة نُشرت في العام 2020، في استخراج بروتينات من أحفورة مبكرة لإنسان منتصب عُثر عليها في دمانيسي بجورجيا، لكن بوب أشار إلى أنّ تلك الدراسة، بخلاف الدراسة الجديدة، لم تكشف معلومات تفصيلية عن موقع هذا النوع مقارنة ببقية أشباه البشر.

وجاءت الأحافير المستخدمة في الدراسة الجديدة من ثلاثة مواقع في وسط وشمال الصين: تشوكوديان، وهيشيان، وسونغياودونغ. وتمتلك الصين تاريخًا طويلًا في اكتشاف أحافير الإنسان المنتصب. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، استُخرجت مئات الأحافير من تشوكوديان، بينها العديد من الجماجم، وأصبحت هذه البقايا تُعرف باسم "إنسان بكين". لكن الأحافير، التي وُضعت في صندوقين خشبيين، اختفت خلال فوضى الحرب العالمية الثانية.

وأشارت الدراسة إلى أنّ السن المستخدمة في هذا البحث الأخير اكتُشفت خلال حفريات أُجريت بين العامين 1949 و1951.

ويُعد الإنسان المنتصب أول نوع بشري امتلك نسب جسم مشابهة لهومو سابينس. وكان يتميز بقامة منتصبة ووجه كبير وحاجبين بارزين وغياب الذقن. وتمتد الأدلة الأحفورية الخاصة بهذا النوع لأكثر من 1.5 مليون عام، وهي مدة أطول بكثير من مدة وجود الإنسان العاقل التي تبلغ نحو 400 ألف عام، ما يجعل الانسان المنتصب أطول أقارب البشر بقاءً، وفقًا لمتحف التاريخ الطبيعي في لندن.

واعتمدت الدراسة الجديدة بدرجة كبيرة على فرضية أن الدينيسوفان والإنسان المنتصب تزاوجوا، لكن راين ماكراي من مؤسسة سميثسونيان قال إن تفسيرًا آخر قد يكون ممكنًا، لأن أحافير الإنسان المنتصب تعود إلى 400 ألف عام، بينما أقدم أحفورة معروفة للدينيسوفان في الدراسة هي جمجمة "رجل التنين"، التي يتراوح عمرها بين 150 ألفًا و300 ألف عام.

قد يهمك أيضاً

وقال لـCNN: "حتى في أقرب تقدير، ما يزال هناك فارق زمني يبلغ 100 ألف عام بين النوعين، ما يعني أن علاقة سلف ونسل قد تكون احتمالًا بديلًا".

وأشار إلى احتمال أن يكون الدينيسوفان قد تطوروا مباشرة من الإنسان المنتصب بدلًا من التعايش معه.

وأوضح أنّ "انتقال متحوّر الحمض الأميني عبر التزاوج بين النوعين ممكن بالتأكيد، بل أعتقد أنه مرجح، لكن الأدلة الأثرية قد تساعد على تأكيد وجود علاقة أقرب بين المجموعتين". 

واتفقت فو مع هذا الرأي، مؤكدة أن المعلومات التي جمعها فريقها من مينا الأسنان ليست تفصيلية بما يكفي لفهم العلاقة الدقيقة بين الإنسان المنتصب والبشر الآخرين. وقالت إن الحمض النووي وحده يمكن أن يوفر هذا المستوى الدقيق من المعلومات.

ووصفت فو نتائج الدراسة بأنها "حجر أُلقي في بركة فتسبب بطرطشة كبيرة"، في إشارة إلى أنها فتحت الباب أمام أسئلة جديدة لأبحاث مستقبلية.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :