الأحد 3 مايو 2026 06:16 صباحاً لندن في 03 مايو /قنا/ في وقت تتسارع فيه تداعيات الأزمات الجيوسياسية على الاقتصادات العالمية، تجد المملكة المتحدة نفسها مجددا في مواجهة موجة جديدة من الضغوط المعيشية، هذه المرة بفعل الحرب الدائرة على إيران.
وبرغم البعد الجغرافي للصراع، إلا أن ترابط أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية جعل من تأثيراته واقعا يوميا يلامس حياة الأسر والشركات البريطانية. ومع تحذيرات رسمية أطلقتها راشيل ريفز وزيرة الخزانة البريطانية من أن هذه "ليست حربنا، لكنها تثقل كاهلنا اقتصاديا"، تتجه الأنظار إلى مرحلة قد تكون أكثر صعوبة، في ظل تصاعد أسعار الطاقة والسلع الأساسية، واستمرار حالة عدم اليقين التي تلقي بظلالها على مستقبل الاقتصاد البريطاني.
ومنذ اندلاع الحرب الإقليمية نهاية فبراير الماضي والمملكة المتحدة تعيش تحت وطأة ضغوط متزايدة على تكلفة المعيشة لم تبلغ ذروتها بعد. فالأسوأ، وفقا لمسؤولين ومحللين اقتصاديين، لم يأت بعد. حيث تنعكس تداعيات الحرب على إيران بشكل مباشر على أسعار الطاقة والغذاء والنقل في البلاد، ما يضع البريطانيين أمام تحديات اقتصادية جديدة ومعقدة، في وقت لم يتعاف فيه الاقتصاد بالكامل بعد أزمات سابقة مثل التضخم المرتفع منذ اندلاع حرب روسيا وأوكرانيا التي أصابت بريطانيا بصدمة طاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي.
وفي قلب الأزمة الحالية تقف أسعار النفط والغاز، التي ارتفعت نتيجة اضطراب الإمدادات العالمية القادمة من الخليج العربي وتعطل طرق الشحن الحيوية، لاسيما في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية. ومع هذا الارتفاع، زادت فواتير الكهرباء والغاز بشكل واضح، كما ارتفعت أسعار الوقود في محطات البنزين، وهو ما انعكس بدوره على تكاليف النقل والإنتاج في مختلف القطاعات، من الصناعة إلى الخدمات.وفي الحياة اليومية، تظهر تأثيرات الحرب بشكل واضح للبريطانيين، الذين يواجهون ارتفاعا متواصلا في فواتير الطاقة، وزيادة في أسعار السلع الأساسية، وتكاليف أعلى للنقل والسفر. كما بدأت بعض الأسر في تغيير أنماط استهلاكها، مثل تقليل استخدام الطاقة في المنازل أو البحث عن بدائل أرخص للمنتجات الغذائية.
ومع استمرار هذه الضغوط، تجد العديد من الأسر نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية بشكل جذري، وفي بعض الحالات اللجوء إلى المدخرات أو الاقتراض لتغطية النفقات الأساسية.
وفي هذا السياق، قال كريس دويل، الخبير في الشؤون الدولية ومدير مركز التفاهم العربي البريطاني، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية"قنا": "إغلاق مضيق هرمز جاء بتداعيات هائلة على الاقتصاد العالمي بشكل عام والبريطاني بشكل أكبر، ولا أعتقد أن صناع القرارات السياسية والاقتصادية باستطاعتهم حتى الآن تقدير حجم التأثير السلبي لهذه الحرب على اقتصادنا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز".وأضاف "إن الأمر لا يتعلق بالنفط والغاز فقط، ولكن بسلع أخرى مثل الهيليوم والأسمدة وارتفاع أسعار الغذاء، وهو ما سيلقي بظلاله على تكاليف المعيشة والأسعار".
وأشار إلى أن الموازنة العامة للدولة ستدفع فاتورة عالية جراء زيادة الاقتراض الحكومي لتقديم حزم إنقاذ لشركات لمنع انهيارها بسبب زيادة التكاليف، ويأتي كل ذلك في وقت تعاني فيه الموازنة من عجز.وأوضح أن الحكومات الأوروبية ومن بينها بريطانياستتكبد أموالا طائلة لدعم الوظائف والمواطنين مثلما كان الحال إبان جائحة كورونا، والدين القومي هو أصلا مرتفع للغاية، وليس من الواضح مدى قدرة الحكومة على التدخل لمساعدة الاقتصاد.
وعلى الرغم من الوعود التي قطعها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بأن الحكومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ارتفاع تكاليف المعيشة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن "ما نشهده هو تأثير مباشر لاضطرابات عالمية خارجة عن سيطرة أي حكومة"، ذلك أن ارتفاع أسعار الوقود يلقي بثقله على الأسر والشركات في وقت حساس للاقتصاد البريطاني، وأشار إلى أن حكومته تعمل على تخفيف الأثر قدر الإمكان، دون تعريض الاستقرار المالي لمخاطر إضافية.
وبات الاقتصاد البريطاني يعيش أوقاتا صعبة في السنوات الأخيرة مع تواتر الأزمات العالمية والتي لم تعد بعيدة عن المواطن البريطاني، بل أصبحت تترجم فورا إلى أسعار أعلى وضغوط يومية، مع سرعة انتقال تأثير الصدمات الدولية إلى الداخل. وتخشى الحكومة من أن الصدمة التي بدأ صداها يدوي في مناحي الاقتصاد نتيجة الحرب ستكون بمثابة "صدمة خارجية حقيقية ستشعر بها كل أسرة تقريبا، ولن يكون من السهل احتواؤها بسرعة"، مثلما وصفها دارين جونز، مستشار رئيس الوزراء. فقد حذر المسؤول الرفيع الذي يعمل ضمن فريق في الحكومة لتشكيل استراتيجية للتعامل مع أثر الحرب على الاقتصاد البريطاني، من أن "الضغوط قد تستمر حتى بعد انتهاء الصراع، ما يعكس قلقا رسميا من طول أمد الأزمة وتأثيرها العميق على الاقتصاد"، ولا يقتصر تأثير الحرب على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد بشكل واضح إلى أسعار المواد الغذائية، التي تشكل جزءا أساسيا من إنفاق الأسر.
فمع ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، زادت كلفة نقل السلع وتخزينها، كما ارتفعت تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، بما في ذلك الأسمدة والتبريد والتصنيع. وتشير تقديرات السوق إلى أن هذه العوامل مجتمعة بدأت تدفع أسعار الغذاء إلى الأعلى بشكل تدريجي، وهو ما يشعر به المستهلكون يوميا في المتاجر.
وفي السياق، ذكر ألون كيرنز، السياسي البارز في حزب المحافظين البريطاني، في تصريح مماثل لـ "قنا"، "إن تأثير حرب إيران يرفع تحديات تكلفة المعيشة إلى مستوى جديد. ولا شك أن الحكومة ستضطر إلى التدخل للمساعدة في خفض أسعار الوقود والطاقة".
وتابع كيرنز أن المستوى الحالي لضريبة الوقود يمثل موضوعا ساخنا، وسيكون على الحكومة تخفيضه. ومع ذلك، فإن الإيرادات التي تحصل عليها الحكومة من رسوم الوقود تعد عنصرا أساسيا في ميزانيتها، مما يخلق صعوبة حقيقية أمام وزيرة الخزانة.وأضاف السياسي البريطاني، أنأكبر أثر صادم يقع على العائلات. فتكاليف الطاقة في المملكة المتحدة تعد بالفعل من بين الأعلى في العالم المتقدم، ومن شأن حرب إيران أن تدفعها إلى الارتفاع بشكل أكبر،موضحا أن الخطريتمثل في تقديم المزيد من المساعدات للمواطنين والشركات التي تؤدي إلى زيادة الديون.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة سيضغط على الصناعات الثقيلة مثل صناعة الصلب والسيراميك والصناعات الكيميائية ويدفعها نحو الخروج من السوق. كذلك، فإن ارتفاع تكاليف الوقود سيزيد من الضغط على الأسر والعائلات التي تعاني بالفعل من ضغوط مالية. "يبدو أن كل شيء في المملكة المتحدة يعتمد على الوقود والطاقة".
ويرى كيرنز، أن هذه الصدمة لا مثيل لها، والمالية العامة لدى وزيرة الخزانة تعاني بالفعل من ضغوط. وستشعر الأسر والشركات بمزيد من الألم. وأتوقع أن تكون النتائج ارتفاع التضخم، وزيادة حالات الإفلاس، وارتفاع معدلات البطالة، ليس فقط في المملكة المتحدة، بل في جميع أنحاء العالم المتقدم.
وأوضح أنتحديات تكلفة المعيشة كانت محورا أساسيا للقرارات السياسية منذ فترة من الزمن. وقد كان هذا العامل مهيمنا في نتائج الانتخابات العامة لعام2024 التي جاءت نتيجة تداعيات جائحة كوفيد والحرب بين روسيا وأوكرانيا وفوز حزب العمال بالسلطة.
ولا تتوقف حدود التأثيرات الكبيرة للحرب عند حدود الأسعار، بل بدأت تنعكس أيضا على سلوك المستهلكين وثقتهم في الاقتصاد البريطاني. فقد أظهرت بيانات حديثة تراجعا ملحوظا في مبيعات التجزئة، في إشارة إلى أن الأسر باتت أكثر حذرا في إنفاقها، حيث يتم تأجيل المشتريات غير الضرورية وتقليص الإنفاق على الكماليات.ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا السلوك يعكس قلقا متزايدا بشأن المستقبل، خاصة مع استمرار الفجوة بين نمو الأجور وارتفاع الأسعار. وذكر معهد الدراسات المالية أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يطيل أمد التضخم ويؤخر تعافي الدخول الحقيقية للأسر لسنوات، وليس فقط لأشهر، ذلك أن الأسر ذات الدخل المحدود ستكون الأكثر تضررا، لأنها تنفق نسبة أكبر من دخلها على الطاقة والغذاء.
كما أشارت مؤسسة "القرار الاقتصادي" إلى أن الأسر البريطانية تواجه بالفعل فترة طويلة من ضعف نمو الدخل الحقيقي، والحرب تضيف طبقة جديدة من الضغوط الاقتصادية، مضيفة أن أي ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة يترجم بسرعة إلى تراجع في مستويات المعيشة. ولفتت إلى أن ما يميز هذه الأزمة هو تزامنها مع ضعف في النمو، ما يزيد من خطر الدخول في مرحلة ركود تضخمي يصعب الخروج منها بسرعة.ويحذر اقتصاديون في بنك إنجلترا(البنك المركزي) من أن استمرار الضغوط التضخمية قد يجبر البنك على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما سيزيد من تكلفة القروض العقارية ويضغط على سوق الإسكان. وأشاروا إلى أن السياسة النقدية تواجه معادلة صعبة بين كبح التضخم ودعم النمو، في ظل ظروف خارجية لا يمكن التحكم فيها بسهولة.
ويرى محللون أن التأثير النفسي للأزمة لا يقل أهمية عن تأثيرها الاقتصادي، حيث تؤدي حالة عدم اليقين إلى تراجع الثقة العامة في الاقتصاد، وهو ما قد ينعكس على قرارات الاستثمار والإنفاق في المدى المتوسط. كما أن استمرار الحديث عن أزمة تكاليف المعيشة يعزز الشعور بالقلق لدى المواطنين، حتى قبل أن تظهر كل آثارها بشكل كامل. وبينما تراقب الحكومة والمحللون تطورات الوضع، يبقى العامل الحاسم هو مسار الحرب وتأثيره على أسواق الطاقة العالمية. فإذا استمرت الاضطرابات لفترات أطول، فمن المرجح أن تبقى الأسعار مرتفعة أو حتى ترتفع أكثر، ما يعني استمرار الضغط على تكلفة المعيشة في المملكة المتحدة.
أما إذا هدأت الأوضاع، فقد تبدأ الأسعار في الاستقرار تدريجيا، لكن حتى في هذه الحالة، تشير التقديرات إلى أن التأثير لن يختفي بسرعة، بل سيستغرق وقتا قبل أن يشعر المستهلكون بتحسن ملموس في قدرتهم الشرائية.ولخص رئيس الوزراء الموقف بقوله إن"التحدي الذي نواجهه اليوم ليس محليا فقط، بل هو جزء من أزمة عالمية أوسع"، مضيفا أنالتعامل معه يتطلب صبرا وسياسات مسؤولة توازن بين دعم الأسر والحفاظ على استقرار الاقتصاد. هذا التصريح يعكس إدراكا رسميا بأن الحلول لن تكون سريعة أو سهلة، وأن المرحلة المقبلة ستتطلب إدارة دقيقة للأولويات الاقتصادية.
في ظل هذه المعطيات، تبدو بريطانيا أمام مرحلة اقتصادية دقيقة، حيث تتداخل العوامل الدولية مع التحديات المحلية بشكل غير مسبوق، ما يجعل مسألة السيطرة على تكلفة المعيشة أكثر تعقيدا من أي وقت مضى. وبين ضغوط الأسعار وتباطؤ النمو وعدم اليقين العالمي، يجد صناع القرار أنفسهم أمام اختبار صعب، فيما يواصل المواطنون التكيف مع واقع اقتصادي جديد يفرض نفسه بقوة على تفاصيل حياتهم اليومية.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :