الاثنين 27 أبريل 2026 06:16 مساءً لم يكد العالم يتنفس الصعداء بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حتى تحولت الهدنة إلى واجهة هشة تخفي تحتها آلة قتل صامتة ومستمرة. فمنذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم تتوقف الغارات الإسرائيلية عن استهداف قطاع غزة يوماً واحداً، ما يكشف عن هشاشة مروعة في البنية القانونية والدولية القائمة على حماية حقوق الإنسان، وعن صمت عالمي مريب بلغ حد التواطؤ، في تحول خطير للبوصلة نحو الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
أرقام صادمة: منذ بدء الهدنة في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وحتى نهاية نيسان/أبريل 2026، سقط نحو 1.000 شهيد فلسطيني، وأصيب أكثر من 2.200 آخرين، وفق معطيات صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية وتقارير ميدانية متقاطعة. غير أن هذه الأرقام لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الأشمل، إذ يتجاوز إجمالي عدد الضحايا منذ بدء الحرب 72.000 قتيل، من بينهم عشرات آلاف الأطفال، ما يكشف أن ما يجري خلال الهدنة ليس انقطاعاً للقتل بل امتداداً له بصيغة مختلفة.
والأخطر من ذلك أن هذه الحصيلة سُجّلت خلال نحو 196 يوماً فقط، في حين استمر القتل في ما يقارب 174 يوماً منها، بما يعني أن الهدنة، عملياً، لم تُوقف القتل إلا في حدود زمنية هامشية.
والأكثر إثارة للصدمة ليس الرقم نفسه، بل معدل القتل اليومي الذي يعكس فداحة ما يجري. فقد كشف المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن معدل القتلى يبلغ نحو 5 شهداء يومياً منذ سريان الهدنة، وبينهم بشكل خاص 197 طفلاً و85 امرأة و22 مسناً، أي ما نسبته 30.4 % من مجمل الضحايا. وإذا ما توقفنا قليلاً عند هذه الإحصاءات وتجاوزنا سطحيّة الأرقام الجامدة، فإنها تعني حرفياً أن كل 24 ساعة تمر على قطاع غزة تُزهق فيها أرواح أبرياء، فيما تغفو المؤسسات الحقوقية الدولية على وقع صفارات الإنذار البعيدة.
تزداد الصورة تعقيداً حين ندرك أن ما يجري ليس مجرد خروقات عفوية لاتفاق الهدنة، بل هو نمط منتظم من القتل منخفض الكثافة وعالي الاستمرارية. فخلال الأشهر الستة الأولى فقط من الهدنة، ارتكبت إسرائيل نحو 2.400 انتهاك، أي بمعدل يتجاوز 12 خرقاً يومياً، وهو ما لا يمكن تفسيره كحوادث متفرقة، بل يعكس ما يمكن وصفه بـ«الهندسة الزمنية للقتل»، حيث يُعاد توزيع القتل على الزمن بدل إيقافه. وبذلك لم تعد الهدنة أكثر من إطار لإدارة القتل، لا وقفه، الأمر الذي يقوّض جوهرها القانوني ويحوّلها إلى غطاء لاستمرار الانتهاكات.
يضاف إلى ذلك الحصار المحكم المشدد الذي يكمل دائرة الموت البطيء في القطاع. فبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، كان يفترض أن تدخل 600 شاحنة مساعدات يومياً، إلا أن إسرائيل لم تسمح سوى بـ 43 % فقط من العدد المتفق عليه، بينما لم تتجاوز شاحنات الوقود 15 % من الحصة المقررة. كما أغلقت إسرائيل معبر رفح كلياً وجزئياً مراراً، مما أوقف عمليات إجلاء المرضى والجرحى للعلاج بالخارج، وأعلنت في مارس/آذار 2026 إغلاق جميع المعابر في الأراضي الفلسطينية حتى إشعار آخر. هذا الحصار الممنهج يتسق تماماً مع نهج متعمد لتجويع سكان غزة ودفعهم إلى حافة الموت الرحيم.
وفي مفارقةٍ صارخة، يتولى دونالد ترامب—الذي سبق أن قوض عمل المحكمة الجنائية الدولية واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل—رئاسة ما يُسمّى «مجلس السلام»، الذي لم يُسجَّل له منذ هدنة تشرين الأول/أكتوبر 2025 أي إدانة لقتل المدنيين في غزة، مكتفياً بخطاب سياسي يتجاهل الوقائع الدموية. وقد عُدّ هذا الصمت، إلى جانب تردّد اللجنة الدولية للصليب الأحمر، عاملاً يُرسّخ الإفلات من العقاب، كما يشير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، في ظل غياب تحرك فعلي من مجلس الأمن أو آليات الأمم المتحدة. وتزداد خطورة المشهد مع استمرار التردد في توصيف ما يجري كإبادة جماعية رغم التقديرات المرتفعة للوفيات، بما يعكس عجز نظام يُفترض أن يحمي الحقوق عن إدانة القتل، فضلاً عن وقفه.
بالتوازي مع هذا الصمت المطبق تجاه غزة، ينشغل العالم بحرب إقليمية بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، اندلعت في أواخر شباط/فبراير 2026 عقب ضربات إسرائيلية استباقية على منشآت نووية إيرانية، وما تبعها من انخراط أميركي معلن. وفي خضم هذا التصعيد، تتراجع غزة إلى هامش الاهتمام الدولي، رغم استمرار سقوط الضحايا حتى خلال الهدنة، حيث قُتل ما لا يقل عن 972 شخصاً في هذه الفترة. ومع تصاعد الحديث عن عمليات عسكرية أوسع وتكاليف تجاوزت عشرات مليارات الدولارات، يتكرّس مشهد مقلق تُعاد فيه صياغة الأولويات العالمية على حساب حياة المدنيين، وكأن معايير الحماية في القانون الدولي الإنساني باتت رهناً بحجم الصراع لا بحجم المعاناة.
وعلى المستوى القانوني، تكشف هذه الوقائع عن نمط متكرر من الانتهاكات يُحتمل أن يرقى إلى جرائم حرب ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك استهداف عناصر تؤدي وظائف مدنية أساسية، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، واحتجاز جثامين القتلى، وتدمير منازل المدنيين، وهي أفعال يحظرها القانون الدولي الإنساني بشكل صريح. غير أن غياب الإرادة الدولية الفاعلة يحول دون تفعيل آليات المساءلة، لتبقى العدالة مؤجلة في ملفٍ تتراكم فيه الأدلة دون محاسبة. وفي المحصلة، فإن استمرار القتل في غزة، وهشاشة وقف إطلاق النار، وعجز مجلس حقوق الإنسان، تعكس أزمة عميقة في بنية النظام الدولي، حيث تُعاد صياغة الأولويات وفق اعتبارات القوة لا وفق مبدأ حماية الحياة الإنسانية، لتبقى غزة شاهداً صارخاً على انتقائية العدالة وصمت العالم.
إن أخطر ما تكشفه هذه الأرقام ليس حجم القتل فحسب، بل تحوّله إلى نمط مُنظَّم يُدار زمنياً، بما يُفرغ مفهوم وقف إطلاق النار من مضمونه القانوني ويحوّله إلى أداة لإعادة توزيع استخدام القوة المميتة لا إنهائه.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :