اخبار العرب -كندا 24: الاثنين 23 فبراير 2026 03:39 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- في أسفل درج شاهق يتكّون من 380 درجة، تبدو الجدران رمادية وغير متجانسة، كأنها صخور، لكن مذاقها مالح. ويعرف الزوار ذلك لأنهم يُشجّعون على لعقها.
إلى الجنوب الشرقي مباشرة من مدينة كراكوف، وهي ثاني أكبر مدن بولندا، يمتد العالم السفلي لمنجم "فياليتشكا" الملحي، وفيه كاتدرائية، ومدينة ترفيهية، ومصانع.
كل يوم، ينزل نحو 9 آلاف زائر إلى المنجم، الذي أُدرج ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو عام 1978. وقد توقّف إنتاج الملح في "فياليتشكا" عام 1996. لكن بعد 700 عام من التشغيل، وأكثر من 150 ميلاً (241 كيلومترا) من الأنفاق المنحوتة تحت الأرض، لا يزال المنجم حيًّا كوجهة سياحية.
على مر القرون، أنشأ عمّال المناجم في "فياليتشكا" 9 مستويات من الأنفاق والقاعات تصل إلى عمق 1,073 قدمًا، أي نحو 330 مترًا تحت السطح. اليوم، لا يزال نحو 2% فقط مما قاموا بإنشائه مفتوحًا للجمهور.
برفقة مرشدين، يمكن للزوار السير في المسار السياحي الكلاسيكي، الذي يمتد لأكثر من ميلين بقليل لحوالي ساعتين من الزمن، أو اختيار "مسار عمّال المناجم". في هذه المغامرة التي تستغرق ثلاث ساعات، يزوّد الزوار بمصباح رأسي، وخوذة، وجهاز امتصاص طارئ لأول أكسيد الكربون.
يبدأ المسار السياحي بالنزول عبر تلك الدرجات الـ380، أو بركوب المصعد. تؤدي الممرات على شكل متاهة إلى قاعات محفوظة جرى تفريغها يدويًا من الصخر. واليوم، تمتلئ بتماثيل، ومنحوتات، وثريات فخمة تروي تاريخ المنجم وتمنح لمحة عن حياة من عملوا فيه.
ينتهي المسار السياحي عند المستوى الثالث تحت الأرض، على عمق 450 قدمًا (نحو 137 مترًا). أما مسار عمّال المناجم فيمتد بين عمقي 187 و330 قدمًا (أي ما بين حوالي 57 و100 متر).
تشرح المرشدة السياحية باتريشيا أنتونياك أن جدران الملح ليست بيضاء لأن كلوريد الصوديوم ليس نقياً، بينما تحث زوارها على لعق الأسطح.
وتقول: "تتكوّن الصخرة بنسبة تتراوح بين 90 و95% من ملح كلوريد الصوديوم، والشوائب هي التي تمنح الملح لونه الرمادي".
وقد دفعت الحركات التكتونية في جبال الكاربات لاحقًا طبقات الملح بشكل أقرب إلى السطح، ما جعل العثور عليها أسهل. ويحتوي "فياليتشكا" على رواسب "طبقية" وأخرى "كتلية" حيث تقع أكثر القاعات زخرفة. وكان العمّال يقومون بنحتها بوصةً تلو الأخرى حتى عام 1743، حين أُدخل البارود. وتبعت ذلك المثاقب الميكانيكية بعد نحو 150 عامًا.
بهدف منع الانهيار، كان العمّال يتركون طبقة من الملح في كل قاعة. واليوم، تدعّم الهياكل بهندسة حديثة، بما في ذلك قضبان من الألياف الزجاجية مُدخلة في الجدران.
منجم ملح… ومنجم ذهببدأ التنقيب في أواخر القرن الثالث عشر، رغم أن الملح كان ضروريًا للحياة هنا منذ زمن طويل. فقد كانت مجتمعات ما قبل التاريخ تغلي مياه الينابيع المالحة لتتبخّر وتجمع الملح الذي كان يُتاجر به كعملة.
مع ازدياد الطلب، حُفرت آبار للوصول إلى المحلول الملحي، تلتها آبار عمودية. وفي أحد هذه الآبار اكتُشفت أولى كتل الملح الصخري في أواخر القرن الثالث عشر.
في القرن الرابع عشر، أصبح المنجم عقارًا ملكيًا في عهد ملك بولندا كازيمير الثالث، الذي أدرك القوة الاقتصادية للملح. وشكّلت عائدات استخراجه ما يصل إلى ثلث دخل خزينة التاج خلال فترة حكمه، وهي ثروة ساعدت في تمويل أول جامعة في بولندا. بحلول نهاية القرن الخامس عشر، كان منجم "فياليتشكا" ينتج بين 7,000 و8,000 طن من الملح سنويًا.
وكانت الحياة في المنجم شاقة، لكنها كانت أقل خطورة من بعض أنواع التعدين الأخرى.
مع ذلك، كان العمل مُرهقًا، إذ قد يستغرق حفر قاعة واحدة عقودًا، وغالبًا ما يمتد عبر أجيال من العائلة نفسها.
وكانت الظروف أقسى على الخيول التي أُدخلت في القرن السادس عشر لتشغيل البكرات التي ترفع الملح إلى السطح. وبمجرد نزولها تحت الأرض، لم ترَ ضوء النهار مجددًا. ولا تزال عربة يجرّها حصان قائمة في إحدى القاعات.
اتخذ المنجم منحىً أكثر قتامة خلال الحرب العالمية الثانية. ففي ظل الاحتلال النازي، حُوّل إلى مصنع تحت الأرض لإنتاج مكونات الطائرات. وعمل فيه عمال قسريون، أي سجناء من معسكر اعتقال بلاشوف القريب، بمن فيهم العديد من اليهود المجريين، وكان يُمنع عليهم التحدث إلى العمّال العاديين. ولم تستمر العملية سوى بضعة أشهر؛ إذ ثبت أن الرطوبة والملح غير مناسبين للأعمال المعدنية.
رغم توقف عمليات التعدين، يستمر إنتاج الملح. وتُضخ المياه المتسربة، وهي تعد خطيرة لأنها تُذيب الملح وتُضعف جدران الآبار. يُبخر المحلول الملحي، تاركًا خلفه بلورات في عملية مشابهة لإنتاج ملح البحر. ويُنتج أكثر من 10 آلاف طن سنويًا.
قد يهمك أيضاً
يعود تاريخ السياحة إلى أوائل القرن الثامن عشر، حيث كان الزوار يحضرون عروض الألعاب النارية في القاعات ويقومون بجولات عبر القوارب في بحيرة ملحية تحت الأرض. وجاء ضيوف بارزون في وقت أبكر، منهم عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس، الذي يُعتقد أنه زار المنجم في عام 1493.
تقول أنتونياك: "كان أول سائح في المنجم، جاء لرؤية العمّال وهم يقطعون الملح وينقلونه". وقد نصب تمثال ملحي لكوبرنيكوس في إحدى القاعات عام 1973.
بالنسبة للعديد من الزوار، تُعد كنيسة القديسة كينغا من أبرز المعالم، وهي كنيسة واسعة تحت الأرض نُحتت من قاعة تعدين سابقة. وهي مكرّسة لكينغا، الأميرة المجرية في القرن الثالث عشر وراعية عمّال مناجم الملح.
تحكي الأسطورة أن كينغا طلبت من والدها مهرًا من الملح الصخري عندما تزوجت دوقًا بولنديًا. وبعد أن قدّم لها أكبر منجم ملح في المجر، ألقت خاتم خطوبتها في أحد آباره. ويُقال إن الخاتم عُثر عليه لاحقًا في بولندا، مدمجًا في كتلة ملح اكتُشفت بالقرب من كراكوف، ربما في "فياليتشكا".
نُحتت الكنيسة على مدى 67 عامًا على يد ثلاثة عمّال، حيث اكتمل العمل عام 1964. ولا تزال تُقام فيها القداديس أيام الأحد والمناسبات الخاصة، بما في ذلك حفلات الزفاف. ويقود درج واسع إلى القاعة، حيث نُحتت مشاهد كتابية على الجدران إلى جانب مذبح من الملح وثريات مصنوعة من بلورات ملحية.
قفز بالحبال تحت الأرضاليوم، لا يُعد "فياليتشكا" مجرد متحف، بل أيضًا موقعًا للفعاليات. فقد تم تجهيز قاعتين بأرضيات خشبية لإقامة الحفلات والمناسبات الخاصة. واستضافت إحداهما، التي يبلغ ارتفاعها نحو 120 قدمًا (حوالي 36 مترًا)، قفزة بالحبال وحتى رحلة بمنطاد مربوط بحبل.
كما يوجد منتجع صحي على عمق 450 قدمًا (حوالي 137 مترًا) تحت الأرض، متخصص في علاجات الجهاز التنفسي.
وتقول أنتونياك: "الهواء هنا صحي، ليس كما في منجم الفحم حيث الغبار وصعوبة التنفس. عمّال مناجم الملح لا يعانون من مرض الرئة السوداء ويعيشون أطول من غيرهم من العمّال. الهواء شبه خالٍ من البكتيريا". إذ أن خصائص الملح المطهّرة وقدرته على امتصاص الرطوبة تساعد في الحد من الكائنات الدقيقة الضارة.
وتضيف أن الهواء "مفيد لمن يعانون من الحساسية".
رغم أنه لم يعد منجمًا نشطًا، لا يزال "فياليتشكا" يوظف مئات عمّال المناجم. وتوضح أنتونياك أن صيانة الموقع تتطلب جهدًا كبيرًا. فالتهديد الأكبر هو المياه التي قد تُضعف بنية الكهوف.
اليوم، يعمل أكثر من 380 عاملًا على حماية المجمع تحت الأرض من أضرار المياه والحفاظ على الحفريات، كأوصياء على مملكة منحوتة من الملح.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :