Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

كيف أنقذ متسلق أبًا وابنه من سقوط قاتل على أعلى قمة في جبال الألب؟

اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 30 يناير 2026 06:27 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) --  بالنسبة لمادالين كريستيا، المعروف باسم "كريس"، كان الخطر يتكشّف ببطء. وكان كريس واثنان آخران ينزلون من جبل مون بلان (الجبل الأبيض)، الأعلى في سلسلة جبال الألب.

وكانت الرياح تهب، والثلج يتساقط بقوة، لكنّهم كانوا يحرزون تقدمًا ثابتًا نحو الأمان. وعبر الضباب الكثيف، رأى كريس أحد الرجلان البريطانيين، يُدعى جيمس، ينزلق.

يقول كريس لـCNN: " لقد اختفى أمامي. صورته لا تزال عالقة بذهني. كان على بطنه، ينزلق حرفيًا". 

كان جيمس مربوطًا بحبل مع ابنه البالغ، مات. وكان كلاهما في خطر. فإذا سقط الأب من الحافة، فمن شبه المؤكد أن الابن سيُسحب معه إلى الأسفل.

للحظة، تسمّر كريس في مكانه. وكانت الرؤية سيئة. والرياح تغرق أصواتهم. وكان الرجال الثلاثة على ارتفاع شاهق في جبل مون بلان، من دون دليل، ولا أحد آخر في الجوار.

يقول كريس: "كنت في حالة صدمة. كان لدي هذا الشعور بأنه سيموت".

الرحلة إلى جبال الألب
حاول كريس الاستعداد لتسلق مون بلان، لكنه يقول إنه كان لا يزال يفتقر إلى الخبرة عندما بدأ صعوده. في الصورة: إطلالة كريس على جبل مون بلانCredit: Madalin Cristea

بدأت رحلة كريس إلى هذه اللحظة قبل 8 أشهر، بسبب ساعة يد. ففي ليلة رأس السنة 2015، كان اللندني من أصل روماني في عطلة بمدينة برشلونة الإسبانية مع صديقته فيف، وكانا يتجولان في شوارعها، إلى أن "مررنا أمام متجر مون بلان الذي يبيع الساعات والأقلام وأشياء من هذا القبيل". 

من الواجهة الزجاجية رأى الساعات بواجهاتها الزرقاء وأساورها الفضية اللامعة. كانت جميلة، لكنها تفوق ميزانيته بكثير. ثمّ التفت إلى فيف مازحًا: "هل تعتقدين أنهم سيمنحونني خصمًا إذا ذهبت وتسلقّت جبل مون بلان"؟

فأجابت ضاحكة: "على الأرجح لا".

ولم يدخل الثنائي إلى المتجر ليلتها. بعد عودتهما إلى لندن، ظلّت الفكرة تتردد برأسه إلى أن قرر تسلّق الجبل الأبيض.

كان كريس في العشرينات من عمره آنذاك، يعمل منقذ سباحة في نادٍ رياضي بوسط لندن، لكنه شعر بعدم الرضا والركود.

مهمة إلى الجبل
يقول كريس إن المرحلة الأولى من مغامرته في مون بلان كانت "ساحرة"Credit: Madalin Cristea

ورغم حلمه بتسلّق القمم الشاهقة، كانت خبرته محدودة. يقول لـCNN: "لم تكن لدي أي مهارات في تسلق الجبال. كنت قد تسلقت جبلًا واحدًا فقط، الأعلى في اليونان"، مستطردًا: "تسلقّت أوليمبوس في الصيف، وصولًا إلى القمة التي ترتفع 2,918 مترًا عن سطح الأرض. لو شبهت الأمر بالجري، فصعود أوليمبوس كسباق 10 كيلومترات، أما مون بلان فهو الماراثون".

ومع ضيق الحال المادي وعدم قدرته على استئجار دليل، واجه معضلة: إما انتظار سنوات لتوفير المال، أو تعليم نفسه والذهاب في وقت أقرب.

وكان تسلّق مون بلان من دون دليل، آنذاك وراهنًا، أمرًا غير مُحبذ بشدة، تحديدًا لغير المدرَّبين.

ويعترف: "ما فعلته كان متهورًا. لا أريد أن أكون مثالًا سيئًا. لم يكن القرار صحيحًا. ولو عاد بي الزمن، لوفّرت المال، وأخذت دورة تدريبية، وانتظرت شريك تسلق".

لكن حينها كان تسلق مون بلان بالنسبة لكريس رمزًا لشيء أكبر، إذ يمنحه إحساسًا بالهدف و"موجة طاقة" كلما فكر بالأمر.

حاول الاستعداد، لكنه يعترف بأنه ظل قليل الخبرة عند بدء الصعود.

وأوضح أنه تعمّق بالبحث حول مون بلان، أي القراءة حول المخاطر، ومشاهدة مقاطع سقوط الصخور، وقراءة قصص الضياع، ودراسة المسار "بشكل شبه ديني".

وفي أغسطس/آب، وصل إلى بلدة شاموني ليواجه جبل مون بلان وضخامة التحدي: "رأيت الجبل.. ونظرت إلى الأعلى. حينها أصبح الأمر حقيقيًا".

قبل مغادرته، طمأن فيف أنه لن يعرّض نفسه لخطر غير ضروري.

صباح ساحر
جيمس، في الصورة وهو يتسلق جبل مون بلان في ذلك اليوم المشؤوم من أغسطس العام 2016Credit: James

وقد مضى اليوم الأول أفضل ممّا توقّع. وكان متسلقون آخرون حوله. ولم يؤثر الارتفاع عليه بشدة. ونام في خيمة، ثم بدأ في الساعات الأولى الدفع الأخير نحو القمة.

يصف كريس نهار ذلك اليوم بـ"الساحر". ويتابع: "كانت تجربة لا تُنسى.. الساعة الثانية أو الثالثة صباحًا، ترى أضواء شاموني في الأسفل، إنه منظر مذهل".

لكن مع بزوغ النهار، اشتدت الرياح واشتد التعب. وعلى علوّ يقارب 4,600 متر، بدأ الارتفاع والطقس القاسيان يؤثران عليه جسديًا وذهنيًا.

ووصف الأحوال المناخية كالتالي: "كانت الرياح شديدة. وصلت إلى حافة وكان الوضع خطيرًا. الرياح تدفعني يمينًا ويسارًا. اضطررت للجلوس منخفضًا. كان الأمر مرهقًا جدًا". ووجد نفسه وحيدًا لأول مرة، وبدأ يسأل نفسه: متى يجب أن يعود؟

وعلى بعد نحو 180 مترًا من القمة، التقى بأب وابنه من بريطانيا كان التقاهما الليلة السابقة، وهما جيمس في الخمسينات، وابنه مات في العشرينات.

لم يستطع رؤية وجوههما، لكنه أحسّ بمدى شعورهما بالذعر.

يقول كريس: "كان كلاهما يرتديان ملابس تحميهما من الرياح. كانت الرياح تهب بقوة، وقال لي الشاب الأصغر سنًا: هذه فكرة سيئة جدًا. الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد آخر".

بالنسبة لكريس، كانت هذه "الإشارة" التي انتظرها. ويتذكر أنه قال لنفسه: "’لا أريد هذا. لنعد أدراجنا‘. لقد كان من حسن حظي أن التقيت بهما، فاستدرت عائدًا".

وانضم كريس إلى جيمس ومات عندما بدأوا النزول. كانت الأحوال الجوية تزداد سوءًا. وكانت الرياح تعصف بالرجال الثلاثة، ما جعل التوازن صعبًا وحجب كل الأصوات الأخرى. وكان جيمس ينحني بين الحين والآخر لتعديل مثبّتات حذائه.

ثم فجأة، وجد جيمس نفسه على الأرض يتهاوى.

في لحظة كان واقفًا، وفي اللحظة التالية ينزلق على الثلج الصلب، والحبل الذي يربطه بابنه ينسحب، وعلى وشك أن يسحب ابنه إلى أسفل الجبل معه أيضًا.

وقف كريس مصدومًا للحظة. ثم، ومن دون تفكير، قفز إلى نجدتهما.

وأمسك بالحبل بيد واحدة، وهبط على بطنه، وغرس فأسه الجليدي في المنحدر، وضغط بأحذية التسلق بكل قوة.

بعينين مغمضتين، شعر بذراعه اليمنى "تُسحب بعنف". لكنه ظل ساكناً. ثم توقف الضغط.

ويقول: "تمكنت من إيقاف السقوط وانتهى الأمر. كانت تلك هي اللحظة الحاسمة". 

ويضيف: "عندما فتحت عيني، كان جيمس على المنحدر أسفل مني، على بُعد حوالي عشرة أمتار. وعلى مسافة قصيرة أسفله، كان هاوية الجبل".

ويتابع: "كان مات واقفًا على الحافة العلوية والرعب في عينيه، فقد شهد للتو الثواني الأربع أو الخمس الأخيرة".

بعد لحظات، ظهر متسلقون آخرون وساعدوهما على سحب جيمس الذي لم يُصب بأذى، سوى الصدمة.

لحظة "مرعبة"
يقول جيمس، الذي يظهر في الصورة هنا على جبل مون بلان، إنه سيظل ممتنًا دائمًا لكريس على ما فعله على جبل مون بلانCredit: James

بعد سنوات، لا يزال جيمس يتذكر تلك اللحظة "المرعبة". ويقول إنها حدثت بسرعة وكانت لتكون نتائجها كارثية.

يشرح أن أحد مسامير حذائه انخلع، والرياح دفعته ليسقط ويفقد توازنه. ويؤكد أنه لولا وجود كريس، لكان السقوط نهاية مأساوية له ولابنه.

ويقول: "لو لم يكن (كريس) موجوداً هناك، أعتقد أنها كانت ستكون نهاية مروعة.. ربما كنت سأسحب ابني إلى حتفه أيضاً".

يتذكر جيمس، الذي يفضل عدم ذكر اسم عائلته حفاظاً على خصوصيته، كيف ساعده المتسلقون الآخرون على الوقوف، وكيف رأى نظرة الرعب على وجه ابنه.

ومن هناك، وصل كريس وجيمس ومات إلى أسفل الجبل.

في ذلك المساء، في شاموني، دعا جيمس الرجل الذي أنقذ حياته إلى العشاء. ويتذكر كريس كيف رفض جيمس حتى النظر إلى الجبل الذي لا يزال شامخًا فوقهم.

وأقسم جيمس ألا يتسلق جبلًا مجددًا. أما كريس، فكان يخطط بالفعل لرحلة العودة إلى مون بلان.

ويقول اليوم: "مع أنني لم أصل إلى قمة مون بلان.. إلا أن التجربة غيّرتني للأفضل، إذ رسّخت في نفسي قناعةً مفادها: 'هذا ما سأفعله لفترة طويلة جدًا'".

وبعد عامين، عاد إلى مون بلان، أكثر استعدادًا، ونجح بالوصول إلى القمة.

ومنذ ذلك الحين، تسلق جبالًا كثيرة، برفقة فيف، التي أصبحت زوجته وشريكته في التسلق.

واليوم، يواصل مغامراته في تسلّق الجبال، ويخطط للقاء جيمس وابنه في "لقاء الناجين" بعد عشر سنوات.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :