Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

نظرة داخل عالم سائقي القطارات فائقة السرعة

اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 30 يناير 2026 02:39 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- عند سرعة 299 كيلومترًا في الساعة، يبدأ المشهد الطبيعي بالتلاشي. يختفي كيلومتر بعد آخر كل 20 ثانية. ويمكن لبلدة كاملة أن تمر بلمح البصر.

كما يوحي اسمها، القطارات فائقة السرعة سريعة. وحين يلتقي قطاران باتجاهين متعاكسين، يمكن أن تُغلق المسافة بينهما بسرعة تعادل ضعف سرعتهما القصوى. بعد 60 ثانية فقط من لحظة التقاطع، وهي لحظة بالكاد يملك فيها السائقان وقتاً لتبادل إشارة ودّية، ستفصلهما مسافة 9 كيلومترات، باندفاع متواصل عبر الريف، وعلى متن كل منهما أكثر من ألف راكب.

هذه الوتيرة المذهلة تجعل حادث التصادم المميت الأخير بين قطارين فائقي السرعة في إسبانيا أكثر إثارة للقلق. 

ورغم سجل السلامة العالمي الاستثنائي، كان خروج القطار عن مساره على مقطع مستقيم من السكة تذكيراً صارخاً بمدى تميّز هذه الأنظمة، وبمدى هشاشتها أيضاً.

أسفر حادث تصادم قطار فائق السرعة في 18 يناير الجاري عن مقتل 43 شخصاً على الأقل.Credit: Cristina Quicler/AFP/Getty Images

فما الذي يعنيه أن تكون مسؤولاً عن واحدة من هذه الآلات عندما يسير شيء ما على نحو خاطئ؟

ويقول بول كوبر، الذي عمل لمدة 13 عاماً سائقاً ومدرّباً في شركة "Southeastern" التي تشغّل قطارات فائقة السرعة تربط لندن عبر خط HS1: "القيادة على خطوط السرعة العالية نوع مختلف من القيادة".

ويشير إلى أن السائقين يعملون بزمن استجابة مماثل لسائقي القطارات الآخرين، لكن "نظام السلامة أقل تساهلاً".

ومع ذلك، يبقى السفر بالقطار أحد أكثر وسائل النقل أماناً في العالم، مع حوادث ووفيات أقل بكثير مقارنة بالطرق. 

ويعد السفر بالقطارات فائقة السرعة أكثر أماناً ومرد ذلك إلى الجهود المكثفة المبذولة في بناء أنظمة تسمح للقطارات بالتحرك بهذه السرعات المذهلة.

إنجاز هندسي

يُعد القطار فائق السرعة النموذجي، الذي يزن قرابة 500 طن، إنجازاً هندسياً لافتاً. 

من محركات مدمجة تولّد نحو 11 ألف حصان، أي ما يعادل تقريباً قوة 100 سيارة عائلية، إلى جانب أنظمة طاقة وكبح متعدّدة. أضف إلى ذلك 500 إلى 600 مقعد، وعربة مقهى، وأنظمة التدفئة والتهوئة والإضاءة، وعدداً لا يُحصى من المكوّنات الأخرى، كلّها تخضع لقيود صارمة للوزن، حتى تحصل على شيء أقرب إلى سيارة فورمولا 1 على قضبان، وليس قطار ركاب عاديًا. 

وليس من الغريب أن تبلغ كلفة بناء الوحدة الواحدة نحو 40 مليون دولار، فضلاً عن ملايين أخرى تُنفق على الصيانة خلال عمرها التشغيلي.

تُكمل القطارات فائقة السرعة ملايين الرحلات كل عام.Credit: Marco Scataglini/UCG/Universal Images Group/Getty Images

وأصبح القطار فائق السرعة أمراً شائعاً جدًا في أوروبا وآسيا منذ ثمانينيات القرن الماضي، لدرجة أن كثيراً من الركاب بالكاد يلاحظونه. 

وفي حين ينشغل الناس بالرد على رسائل البريد الإلكتروني، أو مشاهدة الأفلام، أو الاستماع إلى البودكاست، نادراً ما يفكرون في جيوش المهندسين والفنيين وفرق الصيانة التي تحافظ على سلامة هذه القطارات ودقّتها.

وتعد هذه القابلية للتنبؤ جزءاً من جاذبيتها. فقد سافر أكثر من 10 مليارات راكب على متن قطارات "شينكانسن" اليابانية منذ العام 1964، وأصبحت دقّتها الخالية من الدراما جزءاً هادئاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص.

عادة ما تكون مسارات السرعة العالية مسيجة، ولا توجد بها تقاطعات مفتوحة مع الطرق.Credit: Rolf Vennenbernd/dpa/picture alliance/Getty Images

تبعت فرنسا ذلك بإطلاق قطارها الشهير Train à Grande Vitesse (TGV) عام 1981، الذي خفّض وقت الرحلات بين المدن الكبرى، وساعد على جعل السفر فائق السرعة آمناً ومتاحاً وبأسعار معقولة. كما انتشرت خبرة فرنسا إلى إسبانيا وبلجيكا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة والمغرب، الذي يحتضن أول خط فائق السرعة في أفريقيا.

وبحسب الاتحاد الدولي للسكك الحديدية، يسافر أكثر من 2.5 مليار راكب سنوياً على خدمات تعمل بسرعة 241 كيلومترًا في الساعة أو أكثر. ويمكن لخط واحد فائق السرعة نقل أكثر من 20 ألف شخص في الساعة في كل اتجاه. 

وحتى مع اضطراب السفر العالمي بسبب جائحة "كوفيد-19"، قفز طول خطوط السرعة العالية العاملة بنسبة 40% بين العامين 2020 و2022، من حوالي 44 ألفًا إلى 59 ألف كيلومتر، كان معظمها في الصين.

قد يهمك أيضاً

سرعات قاسية
تتمتع قطارات "شينكانسن" فائقة السرعة في اليابان بسجل سلامة لا تشوبه شائبةCredit: Yuichi Yamazaki/AFP/Getty Images

تسير العديد من القطارات فائقة السرعة بسرعة تصل إلى نحو 300 كيلومتر في الساعة. أما قطارات "Fuxing" الصينية فتسير أسرع من ذلك، لتصل إلى349 كيلومترًا في الساعة على بعض المسارات، مع خطط لرفع السرعة إلى حوالي 399 كيلومترًا في الساعة. 

كما يجري اختبار القطار الياباني من الجيل القادم "ALFA-X" بسرعات مماثلة، وإن كانت سرعته التشغيلية المخطط لها أقرب إلى 362 كيلومترًا في الساعة.

قد يهمك أيضاً

هذه السرعات تعد قاسية، فالقوى المؤثرة على الهياكل والعجلات وأنظمة التعليق والفرامل ومكونات السكة شديدة للغاية. ونادراً ما يتجاوز عمر القطارات فائقة السرعة 25 عاماً، إذ أنّ ملايين الأميال المقطوعة بأقصى سرعة تترك أثرها.

ويجب أن يعمل كل عنصر في نظام السرعة العالية كجزء من منظومة متقنة الضبط. فالسكك والجسور والأنفاق وخطوط الطاقة تتعرض لضغوط استثنائية، ما يتطلب إنشاء دقيقاً، وفحوص صارمة، وصيانة مستمرة.

يسافر أكثر من 2.5 مليار راكب سنوياً على متن خدمات تعمل بسرعة 150 ميلاً في الساعة أو أكثرCredit: Jc Milhet/Hans Lucas/AFP/Getty Images

مع هذه السرعات، تصبح إشارات جانب السكة غير مرئية بما يكفي للاستجابة الآمنة، لذا يستخدم المشغّلون أنظمة داخل المقصورة توفر تحديثات مستمرة عن حدود السرعة وحالة المسار، ما يسمح للسائقين بالتركيز على ما سيواجهونه في البعيد، وهو أمر حاسم عندما تكون كل ثانية مهمة.

وتُقدّر أزمنة رد الفعل المتوسطة لسائقي السيارات بين 0.7 و1.5 ثانية. ويمكن لسنوات من التدريب المهني المكثف أن تقلّص زمن استجابة سائقي القطارات إلى ما بين 0.2 و0.4 ثانية، رغم أن الإرهاق والتشتت يظلان عاملين مؤثرين. 

وتساعد هذه المنعكسات، إلى جانب أنظمة السلامة المتطورة، على جعل السكك الحديدية فائقة السرعة واحدة من أكثر وسائل النقل أماناً في العالم.

ويضيف كوبر: "القيادة بسرعات عالية تتطلب أيضاً التفكير المسبق بدرجة أكبر، فالمسافات بين المحطات أطول، لكن بسبب السرعات الأعلى علينا أن نكون أكثر وعياً بما قد يحدث على مسافة أبعد، ما يعني مستوى أعلى من الوعي الظرفي".

ويستغرق القطار فائق السرعة النموذجي نحو 83 ثانية، ويقطع قرابة 3 كيلومترات ونصف الكيولمتر، حتى يتوقف تماماً بعد الضغط على الفرامل عند سرعة 299 كيلومترًا في الساعة.

سكك حديدية "بلا أشخاص"
يربط خط السكك الحديدية عالي السرعة HS1 في بريطانيا لندن بوجهات في جنوب شرق البلاد.Credit: Gareth Fuller/PA Images/Getty Images

طُوّرت أنظمة السلامة لتزويد غرف تحكّم السائقين بالمعلومات الأساسية. يوفر نظام إدارة حركة السكك الحديدية الأوروبي، الذي يُطبّق حاليًا في جميع أنحاء القارة وخارجها، معلومات آنية عن السرعات المستهدفة، ورسومًا توضيحية لمنحنيات الكبح، ومعلومات عن حالة الخطوط على امتداد كيلومترات عديدة، ما يسمح بعمليات أكثر سلاسة وأمانًا وكفاءة في استهلاك الطاقة.

ونظرًا لأن خطوط السكك الحديدية عالية السرعة تعمل بتكرارات وسرعات عالية، فقد أُضيفت إليها احتياطات إضافية. فتقاطعات السكك الحديدية مع الطرق، التي تُشكّل خطرًا كبيرًا على خطوط السكك الحديدية التقليدية، غير مسموح بها. 

ويُستخدم نظام "التقاطعات العلوية" الذي يعتمد على مسارات مرتفعة ومسارات منفصلة لتجنب تداخل حركة القطارات عند انفصال الخطوط أو التقائها. كما تُستخدم الأسوار وأجهزة الاستشعار وكاميرات المراقبة للحفاظ على عزل مناطق التشغيل.

يسهم هذا العزل في سجل السلامة المذهل للسكك فائقة السرعة، ويساعد على تفسير الصدمة التي أحدثها الحادث الإسباني الأخير في الأندلس، الذي أودى بحياة 43 شخصاً.

أما شبكة الصين الطموحة، التي يزيد طولها الآن على49890 كيلومترًا، فقد شهدت مأساة خاصة بها عام 2011، حين أدى تصادم قرب مدينة ونتشو الساحلية إلى مقتل 40 راكباً وإصابة نحو 200.

هزّ ذلك الحادث ثقة الجمهور، وأدى إلى خفض السرعات وتعليق مؤقت لبناء خطوط جديدة، لكن لم تُسجّل حوادث كبرى خلال الأعوام الـ15 التالية، حتى مع استمرار توسع الشبكة.

وقال مؤرخ السكك الحديدية كريستيان وولمار، مؤلف كتاب "المسار السريع: القصة الاستثنائية للسكك الحديدية فائقة السرعة": "سجل السلامة المذهل للسكك فائقة السرعة يقوم على عوامل كثيرة، فهي تستخدم أحدث التقنيات والمواد، وتضع معايير عالمية رائدة لمقاومة الحرائق والحماية من الصدمات وأنظمة الإشارات. لكن ميزتها الأكبر أنها تستخدم مسارات مخصصة، ما يجعل التصادم مع قطارات متعارضة أو أبطأ بكثير أمراً غير مرجح".

قد يهمك أيضاً

 

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :