اخبار العرب -كندا 24: الاثنين 26 يناير 2026 03:15 صباحاً تقرير لبن ويدمان ومحمد درويش وشربل مالو ونيجريفان ماندو، من CNN.
(CNN)-- خرجنا من البرد القارس، عبر غطاء بلاستيكي كان بمثابة باب إلى الظلام. كان الجو أكثر دفئًا داخل الخيمة، ولكن كان من الصعب رؤية أي شيء مع وجود القليل من الضوء الخارجي الذي يتسلل عبر الشقوق.
قال لنا صوت أنثوي باللغة الإنجليزية: "ادخلوا! ادخلوا".
كان هناك طفلان، فتاة وفتى، يركضان هنا وهناك. وكانا يتحدثان بمزيج من الإنجليزية والعربية الفصحى- وقد بدا لي هذا الأمر غريباً على الفور، إذ لا أحد يتحدث بهذه الطريقة في مكان غير رسمي.
قد يهمك أيضاً
كنا في مخيم روج، وهو مركز احتجاز في شمال شرق سوريا، حيث احتُجز أكثر من ألفي امرأة وطفل (بعضهم لم يعد أطفالاً)- بعضهم لأكثر من عقد- على يد قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد. معظمهم زوجات أجنبيات (وفي كثير من الحالات أرامل) وأطفال لرجال ينتمون لتنظيم داعش.
في الظلام أسمع صوتاً أنثوياً آخر بلكنة بريطانية: "صحفيون؟ رجاء بلا تصوير".
طلبت منا عدم الكشف عن هويتها خشية تعقيد الإجراءات القانونية التي يتخذها أقاربها لإعادتها إلى المملكة المتحدة. وأخبرتنا أن جنسيتها البريطانية قد سُحبت منها.
قالت لنا: "أنا خائفة لأنني شخص مختلف"، وتابعت: "أنا لست داعشية"، وتابعت: "أنا لست كذلك، أنا خائفة من أجل طفلي".
ادعت أن ابنها البالغ من العمر 9 سنوات كان يتعرض للضرب بانتظام من قبل الأولاد الآخرين في المخيم لأن والدته لم تعد موالية لتنظيم داعش.
وقالت: "لقد وُلدت في إنجلترا وتربيت هناك"، وتابعت: "ليس لدي مكان آخر. والدتي ووالدي وأشقائي كلهم في إنجلترا. نحن بلا دولة على الإطلاق وبشكل كامل".
إذا كنت تتساءل، فهذه ليست شميمة بيغوم، وهي من سكان شرق لندن التي هربت وهي في سن الـ15 للانضمام إلى داعش في عام 2015. وقد سحبت بريطانيا جنسيتها أيضاً.
ذهبنا إلى ما قال مرافقنا الكردي الضخم الذي يحمل بندقية كلاشينكوف إنها خيمة بيغوم، لكنها كانت مغلقة. ناديتُ قائلاً إنني أريد التحدث معها.
فأجاب صوت أنثوي بلكنة بريطانية: "اذهب من هنا.. لا أريد التحدث معك".
لم يكن هذا أول لقاء لي مع نساء تنظيم داعش. ففي أوائل عام 2019، قضيت شهرين في سوريا أغطي المعركة الأخيرة ضد التنظيم الإرهابي. تحدثنا إلى عشرات النساء من داعش- من فرنسا، والمملكة المتحدة، والمغرب، والعراق، وتركيا، وروسيا، وإندونيسيا، وفنلندا، وغيرها. قالت بعضهن إنهن رافقن أزواجهن إلى سوريا والعراق على مضض. بينما أصرت أخريات في ذلك الوقت على أنهن ما زلن يؤمنّ بعقيدة تنظيم "الدولة الإسلامية" المتشددة.
لكن هنا في روج، أصرت النساء الوحيدات اللواتي وافقن على التحدث معنا على أنهن تخلين منذ زمن طويل عن أي أوهام. كل ما أردنه هو العودة إلى ديارهن.
قالت لي ألما إسماعيلوفيتش، من صربيا، بلغة إنجليزية ركيكة: "أريد العودة إلى بلدي"، وتابعت: "أريد أن أعيش حياة طبيعية مع أطفالي".
وكانت ألما في "سوق" المخيم، وهو عبارة عن ساحة ترابية بها عدد قليل من المتاجر التي تبيع الطعام والسلع الأساسية الأخرى.
كانت ترتدي الحجاب، وهو غطاء للرأس، بدلاً من النقاب الذي يغطي الوجه والذي يتبناه عادةً أصحاب الآراء الأكثر تشدداً.
سألت مجموعة من الصبية الذين كانوا يتسكعون في السوق عما إذا كانوا لا يزالون يؤمنون بشعار داعش القائل بأن "الدولة الإسلامية باقية وتنتشر"، فضحكوا باستخفاف كما لو كنت قد جربت عليهم نكتة قديمة بالية.
قالت لي حنيفة عبدالله، وهي من روسيا بلغة عربية ثقيلة: "لا يوجد دولة إسلامية"، وتابعت: "انتهى الأمر. كل ما تبقى منها هو نحن النساء".
أخبرتنا أن اثنين من أطفالها قد أُعيدا إلى بلادهما، لكن ثلاثة ما زالوا معها في مركز الاحتجاز. وقالت هي الأخرى إنها تتوق بشدة للعودة إلى منزلها، لكنها زعمت أن روسيا لن تستقبلها. وقال مسؤولو المخيم إن الجنسية الأكثر تواجدا في روج هي الجنسية الروسية.
قلة من الدول التي لديها رعايا- سجناء ومحتجزين- في سوريا أبدت استعدادها لإعادتهم إلى أوطانهم.
رافقنا مرافقنا في جولة بالسيارة حول المخيم، لكنه أصرّ على عدم التجول بين الخيام خشية أن ترشقنا النساء والأطفال بالحجارة. وبسبب البرد القارس، كان عدد قليل من الناس في الخارج، وكثير ممن كانوا بالخارج انصرفوا عنا عند مرورنا. لم يرمِ أحدٌ الحجارة، ولم يقم أحدٌ بأي إشارات تهديد كما رأيت في تقاريري من مخيمات أخرى في سوريا.
تأتي زيارتنا إلى روج في لحظة حاسمة للبلاد. فمنذ مطلع يناير/كانون الثاني، تمكنت قوات الحكومة السورية، بالتعاون مع مقاتلين من القبائل العربية، من طرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية من مساحات شاسعة في شمال سوريا. ولأكثر من عقد من الزمان، تحالف التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش مع قوات سوريا الديمقراطية وخاض معارك ضارية ضد التنظيم. ولكن مع سقوط نظام بشار الأسد، تسعى الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع (الذي كان سابقًا زعيمًا لجماعة تابعة لتنظيم القاعدة) إلى بسط نفوذها على المناطق الغنية بالنفط في شمال سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.
وفي منشور حديث على منصة "إكس"، تويتر سابقا، صرح المبعوث الأمريكي الخاص وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، توم براك، بأن "الغرض الأصلي لقوات سوريا الديمقراطية باعتبارها القوة الرئيسية المناهضة لتنظيم داعش على الأرض قد انتهى إلى حد كبير"، إذ أشارت الحكومة السورية الجديدة إلى "تحول نحو الغرب والتعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب".
وحث براك قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد على الاندماج في الدولة السورية.
أبرمت قيادة قوات سوريا الديمقراطية، تحت ضغط أمريكي، اتفاقيات مع حكومة دمشق على مضض، تهدف إلى تحقيق ذلك تحديداً. لكن تكمن المشكلة في التنفيذ، وقد يكون ذلك كارثياً.
بالنسبة للأكراد، يبدو التغيير المفاجئ في الموقف الأمريكي بمثابة خيانة– خيانة أخرى للأكراد من قبل أولئك الذين دعموهم لعقود.
في مكتب مدير المخيم، التقينا برئيسة الأمن، وهي امرأة عابسة متجهمة في الأربعينيات من عمرها، عرّفت نفسها باسم "الرفيقة شافري".
وقالت: "لقد حاربنا تنظيم الدولة الإسلامية نيابةً عن بقية العالم، والآن يدير بقية العالم ظهره لنا"، وتابعت: "أتمنى أن تعود كل هؤلاء النساء والسجينات إلى بلدانهن ويبدأن بمهاجمتهم".
طوال فترة وجودنا في شمال شرق سوريا، سمعنا أصداء هذا الغضب.
بسبب انتماء الرئيس السوري الشرع سابقا لتنظيم القاعدة، فإن العديد من الأكراد مقتنعون بأنه لا يزال متمسكاً بأيديولوجية التنظيم تحت مظهره الأنيق.
مع سيطرة قوات الحكومة السورية الآن على مخيم الهول، وهو المعسكر الآخر الأكبر في المنطقة، أخبرتنا مديرة المخيم حكيمات إبراهيم أن نساء داعش الملتزمات في المعسكر احتفلن، وشعرن بأنهن سيتحررن قريباً.
في 19 يناير/كانون الثاني، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية، التي كانت تحرس سجن الشدادي الواقع على بعد حوالي 160 كيلومتراً جنوب غرب مخيم روج، حيث كان يُحتجز آلاف من سجناء تنظيم داعش، تحت نيران الجيش السوري. وزعمت قوات سوريا الديمقراطية أن 1500 سجين قد فروا. ونفت الحكومة السورية ذلك، مؤكدةً أن 120 سجيناً فقط فروا، وأن أكثر من 80 أُعيد القبض عليهم سريعاً. وتعمل القوات الأمريكية حالياً على نقل نحو 7000 سجين من تنظيم داعش إلى منشآت أكثر أماناً في العراق.
وقالت حكيمات عن النساء في مخيم روج: "لديهن أمل بعودة داعش الآن".
وإذا حدث ذلك، قالت حكيمات إنهن قلن لها: "لن نترك واحدة منكن على قيد الحياة".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :