Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

في إفريقيا.. أقدم محرقة جنائزية تكشف عن امرأة غامضة عاشت قبل 9500 عام

اخبار العرب -كندا 24: الجمعة 9 يناير 2026 05:15 صباحاً دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- كشفت بقايا عظام محترقة عُثر عليها في شمال ملاوي عن أقدم محرقة جنائزية اكتُشفت بأفريقيا، وأثارت في الوقت ذاته ألغازًا جديدة قد يكون من الصعب حلّها.

ومن خلال تحليل العظام ورواسب المحرقة، يعتقد الباحثون أنّ مجتمعات الصيادين وجامعي الثمار قاموا بحرق جثة امرأة قبل نحو 9,500 عام، وفق دراسة نُشرت  في دورية "Science Advances"، الخميس.

وقد عُثر على محرقة وبقايا بشرية بالقرب من قاعدة جبل Hora، وهو جبل من الغرانيت يبرز بشكل مفاجئ ويعلو مئات الأمتار فوق سهل منبسط في معظمه. 

وفقًا للتحليل الجنائي، تبيّن أن البقايا التي تعود في معظمها إلى عظام الذراعين والساقين تخص امرأة يتراوح عمرها بين 18 و60 عامًا، وكان طولها نحو متر ونصف المتر.

يقع الموقع، المعروف باسم "Hora 1"، تحت بروزٍ صخري طبيعي كبير بما يكفي لإيواء 30 شخصًا. وقد استرعى انتباه العلماء في خمسينيات القرن الماضي عندما جرى التنقيب فيه لأول مرة وتبيّن أنه موقع دفن يعود إلى صيادين-جامعين. 

وأظهرت أبحاث أحدث بدأت في العام 2016، أنّ البشر بدأوا العيش في هذا الموقع قبل نحو 21,000 عام، ودفنوا موتاهم فيه قبل 8,000  إلى 16,000 عام.

غير أن شظايا العظام هذه تمثّل عملية الحرق الوحيدة التي حدثت في الموقع، ما يجعل الاكتشاف أكثر غرابة، لا سيّما أن هذا النوع من الممارسات كان نادرًا في تلك الفترة الزمنية، بحسب الباحثين.

يصور رسم توضيحي صيادين وجامعي الثمار وهم يعتنون بمحرقة الجثث.Credit: Patrick Fahy

وقالت المؤلفة الرئيسية للدراسة، جيسيكا سيريزو-رومان، الأستاذة المساعدة بعلم الأنثروبولوجيا في جامعة أوكلاهوما، إن حرق الجثث نادر جدًا بين الصيادين-الجامعين القدماء والحديثين، ومردّ ذلك جزئيًا إلى أنّ المحارق تتطلّب قدرًا هائلًا من الجهد والوقت والوقود لتحويل الجسد إلى عظام متفتتة ومتكَلِّسة ورماد.

ويُسلّط هذا الاكتشاف غير المعتاد الضوء على الطبيعة المعقدة لممارسات جنائزية غير معروفة إلى حد كبير لدى الصيادين-الجامعين في أفريقيا، كما يثير تساؤلًا حول سبب بذل كل هذا الجهد لحرق شخص واحد فقط.

جهد استثنائي

كشفت أعمال التنقيب في الموقع بين عامي 2016 و2019 عن كومة رماد كبيرة بحجم سرير مزدوج تقريبًا، تحتوي على مجموعتين من بقايا عظام بشرية تظهر عليها أنماط احتراق واضحة.

وأشار الباحثون إلى أنّ الاكتشاف أثار مفاجأة كبيرة لأنّ أقدم الأدلّة السابقة على حرق الجثث في أفريقيا تعود إلى رعاة من العصر الحجري الحديث قبل نحو 3,500 عام، أو إلى مجتمعات منتجة للغذاء ذات كثافة سكانية أعلى.

وقالت المؤلفة المشاركة في الدراسة، الدكتورة جيسيكا تومبسون، الأستاذة المساعدة بقسم الأنثروبولوجيا في جامعة ييل: "أثناء تنقيبنا عن موقع المحرقة، كان هناك جدل مستمر حول استحالة أن يكون هذا الموقع طقساً جنائزياً لجماعات الصيد وجمع الثمار، وأنه من المستحيل أن يتجاوز عمره بضعة آلاف من السنين. لكن عندما ظهرت نتائج التأريخ بالكربون المشع، أذهلتنا النتائج".

كما أظهر تحليل الباحثين أنّ عناية فائقة بُذلت في تنفيذ عملية الحرق.

عُثر على رؤوس حجرية في محرقة الجثثCredit: Justin Pargeter

وبناءً على الأدلة التي تشير إلى وجود فطريات ونمل أبيض في الخشب، جُمِع نحو 30 كيلوغرامًا من الأخشاب الجافة الميتة لاستخدامها في المحرقة، وهو أمر يتطلّب وقتًا وجهدًا كبيرين، بحسب المؤلفة المشاركة الدكتورة إليزابيث سوتشك، أمينة تطوّر الإنسان في متحف كليفلاند للتاريخ الطبيعي.

ويُظهر تحليل مفصّل لرواسب المحرقة أن النار بلغت درجات حرارة تجاوزت500 درجة مئوية.

كما يشير حجم كومة الرماد إلى أنّ النار استمرت في الاشتعال من ساعات عدة إلى أيام عدّة، وهو أمر لم يكن ممكنًا إلا إذا زُوِّدت بالوقود وأُبقيت مشتعلة بصورة نشطة، وفقًا لسوتشك.

وعُثر أيضًا على رؤوس حجرية مشذّبة لأدوات حجرية داخل موقد الحرق، ما يشير إلى أن هذه الأحجار المدببة أضيفت أثناء عملية الحرق كقرابين أو مقتنيات جنائزية.

وذكرت لورين هو، مديرة برامج تاريخ وثقافات البشر في الجمعية الجغرافية الوطنية، أن رؤية مدى قِدم ممارسات حرق الجثث أمر لافت. 

اكتشف الفريق علامات قطع توضح كيفية إزالة اللحم من العظام.Credit: Jessica Thompson

وأضافت هو، أنّ حرق الجثث "ممارسة لا نفكر فيها كثيرًا في العالم الغربي الحديث، لأنها تنجز على يد محترفين وفي بيئات مغلقة، لكن بالنسبة لمجتمعات أخرى كان بناء محرقة الجثث وإشعالها ودفنها تجربة مؤلمة للغاية".

وتابعت: "هذا يدل على أن هؤلاء الصيادين-الجامعين الأوائل كانت لديهم معتقدات مقصودة ومعقدة حول الذكرى وكيفية التعامل مع موتاهم".

أجزاء مفقودة
يبرز كوم الرماد الداكن والسميك عن الطبقات الأخرى الموجودة في موقع Hora 1Credit: Jessica Thompson

قالت تومبسون إنّ آثار القطع على العظام تُظهر أن الناس ساعدوا بنشاط في عملية الحرق الجنائزي عبر إزالة بعض لحم المرأة. 

واستبعد الفريق فكرة أن تكون المرأة ضحيةً لآكلي لحوم البشر، لأن آثار القطع كانت مختلفة عن الأنماط الموجودة على عظام الحيوانات في الموقع، على حد قولها.

وقالت سوتشك: "ومن المدهش أنه لم تكن هناك أي بقايا من الأسنان أو عظام الجمجمة في المحرقة. وبما أن هذه الأجزاء عادةً ما تُحفظ في عمليات الحرق، نعتقد أن الرأس ربما أُزيل قبل الحرق".

وأضافت سيريزو-رومان أنه رغم أن إزالة الجمجمة وقطع اللحم عن العظام قد يبدو أمرًا مروّعًا، فإن طقوسًا معقّدة ربما كانت الدافع الكامن وراء ذلك.

وقالت: "توجد أدلة متزايدة بين الصيادين-الجامعين القدماء في ملاوي حول طقوس جنائزية تشمل الإزالة بعد الوفاة، وحفظ أجزاء من الجسد، وإعادة الدفن الثانوية لها، ربما باعتبارها رموزًا".

ويرى الدكتور جويل آيرش، رئيس قسم الأنثروبولوجيا وعلم الآثار في جامعة ليفربول جون مورز بالمملكة المتحدة، أنّ آثار القطع على العظام غالبًا ما تُحجب أو تضيع خلال عملية الحرق، ما يمنح هذا الاكتشاف قيمة كبيرة. 

وأضاف آيرش، غير المشارك في البحث الجديد، أن تفكيك جسد شخص بالغ قبل حرقه كان سيجعل العملية أسهل، لا سيما بعدما اتّخذ الصيادون-الجامعون إجراءات متطرفة إلى هذا الحد لحرق جسد واحد فقط.

وكتب آيرش لـCNN: "كونه تاريخًا مبكرًا إلى هذا الحد، وكانوا متنقلين كصيادين-جامعين، يجعل الأمر أكثر إدهاشًا. من الواضح أنهم امتلكوا أنظمة معتقدات متقدمة ومستوى عاليًا من التعقيد الاجتماعي في تلك الفترة المبكرة".

جرى استخراج أكثر من 100 شظية عظمية من موقع المحرقة الجنائزية.Credit: Grace Veatch

لكن لماذا جرى حرق هذه المرأة تحديدًا؟ أشارت تومبسون أن هناك أدلة على وجود دفنات كاملة أخرى في الموقع، ما يشير إلى أن المرأة لا بد أنها استحقت معاملة خاصة.

ولا يُعرف عنها الكثير، سوى أن عظامها تشير إلى أنها كانت على الأرجح في منتصف العمر وبدرجة منخفضة من الحركة. لكنّها استخدمت ذراعيها أكثر مما هو متوقع مقارنةً بغيرها من الصيادين-الجامعين المدفونين في الموقع، بحسب ما ذكرته سيريزو-رومان.

وأضافت سوتشك: "رغم أننا لا نستطيع أبدًا معرفة دوافع الشعوب القديمة بدقة، يبدو أنّ ظروفًا غير اعتيادية في حياتها و/أو وفاتها على الأرجح قد دفعت إلى هذا النوع غير المألوف من المعاملة الثقافية. أما إذا كان الدافع أسبابًا إيجابية أم سلبية يبقى علامة استفهام كبيرة".

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :