اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 17 يونيو 2026 12:51 مساءً تقرير: سرقة ذهب بـ40 مليون دولار تهدد بكشف أكثر برامج التجسس الأميركية سرية
تثير قضية اختفاء سبائك ذهب تُقدَّر قيمتها بنحو 40 مليون دولار من داخل برنامج تابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) مخاوف متزايدة من أن تقود التحقيقات الجنائية إلى كشف عمليات استخباراتية بالغة الحساسية، ظلَّت طي الكتمان لسنوات، وتستهدف خصوم الولايات المتحدة حول العالم.
ولا تبدو هذه المخاوف جديدة على تاريخ الوكالة، إذ سبق أن أدت عملية سطو وقعت قبل نحو نصف قرن إلى إفشال إحدى أكثر المهمات الاستخباراتية الأميركية طموحاً ضد الاتحاد السوفياتي. واليوم، يخشى مسؤولون سابقون أن يتكرر السيناريو نفسه، لكن هذه المرة بسبب اتهامات تطول مسؤولاً رفيعاً داخل الوكالة نفسها. وفقاً لصحيفة «وول ستريت جورنال».
ويتمحور التحقيق حول ديفيد راش، الذي أوقف في مايو (أيار) الماضي للاشتباه في استيلائه على أموال عامة، بعدما كان يشغل منصباً إشرافياً بارزاً في مديرية العلوم والتكنولوجيا التابعة للوكالة، وهي الجهة المسؤولة عن تطوير أدوات التجسس والتقنيات المستخدمة في اعتراض الاتصالات وجمع المعلومات السرية وتأمين وسائل التواصل الاستخباراتي. وحتى الآن، لم تُوجَّه إليه لائحة اتهام رسمية، كما لم يصدر عنه أي تعليق علني بشأن المزاعم المنسوبة إليه.
وبحسب أشخاص مطلعين على الملف، كان راش يشرف على برنامج استخباراتي شديد السرية وافق عليه الكونغرس قبل سنوات، ويهدف إلى استخدام مبالغ مالية كبيرة للحصول على معلومات حساسة تتعلق بخصوم الولايات المتحدة. ويقول مطلعون إن موقعه داخل الوكالة كان يعادل، من حيث المستوى الإداري، رتبة جنرال في المؤسسة العسكرية.
ويرى مسؤولون سابقون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في قيمة الذهب المفقود، بل في احتمال أن تكشف إجراءات التحقيق والمحاكمة تفاصيل عن عمليات استخباراتية مشروعة لا تزال سرية. ويستحضر هؤلاء حادثة عام 1974، عندما أدى اقتحام مكتب الملياردير الأميركي هوارد هيوز إلى كشف مشروع سري لوكالة الاستخبارات المركزية كان يهدف إلى انتشال غواصة سوفياتية نووية من أعماق المحيط الهادئ.
وقال مارك فاولر، المسؤول السابق في الوكالة الذي قاد عمليات ضد إيران، إن القضية قد تؤدي إلى نشر معلومات «كان ينبغي ألا تُناقش علناً إطلاقاً، نظراً إلى حساسيتها وأهميتها الأمنية».
ووفقاً للتحقيقات، بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ملاحقة راش بعد إحالة من وكالة الاستخبارات المركزية بشأن شبهات تتعلق بتقديمه سجلات دوام غير صحيحة. وتقول السلطات إنه تقاضى رواتب عن فترات ادعى خلالها أداءه الخدمة كضابط احتياط في البحرية الأميركية، رغم أنه أنهى خدمته العسكرية قبل نحو عقد من الزمن.
وخلال التحقيق، توصل المحققون إلى أن راش أنشأ برنامجاً سرياً وهمياً إلى جانب البرنامج الحقيقي الذي كان يديره، وصنَّفه ضمن فئة «برامج الوصول الخاص»، وهي من أعلى درجات السرية في الحكومة الأميركية. وادعى أن المشروع مرتبط بخطط استمرارية عمل الحكومة في حالات الطوارئ والكوارث الكبرى، وهي الخطط المصممة لضمان استمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها إذا واجهت البلاد أزمة استثنائية.
كما تشير الاتهامات إلى أنه عقد إحاطات أمنية لموظفين آخرين، زاعماً أن المشروع يُدار بالتعاون مع وزارة الدفاع الأميركية، وأقنع بعض المسؤولين بضرورة تخصيص عشرات الملايين من الدولارات لتمويله عبر عقود مع متعهدين عسكريين، قبل أن تُستخدم تلك الأموال في شراء سبائك ذهبية.
لكن المفاجأة الكبرى ظهرت عندما اكتشف المحققون أن الذهب لم يعد موجوداً في أماكن التخزين المؤمنة. وعند مداهمة منزل راش في ولاية فرجينيا خلال مايو، عثر عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي على أكثر من 600 رطل من سبائك الذهب، إضافة إلى ما يزيد على مليوني دولار نقداً، فضلاً عن مجموعة من الساعات الفاخرة، من بينها ساعات من علامة «رولكس».
ويعتقد مطلعون أن الطبيعة المغلقة لبرامج «الوصول الخاص»، أو ما يُعرف أحياناً بـ«البرامج السوداء»، ساهمت من دون قصد في نجاح عملية الاحتيال. فالقواعد الأمنية الصارمة التي تمنع المشاركين من مناقشة تفاصيل هذه البرامج حتى مع زملائهم أو رؤسائهم أتاحت، بحسب التحقيقات، نقل أكثر من 300 سبيكة ذهبية، يزن كل منها نحو رطلين، من دون أن يلفت ذلك الانتباه.
وتعيد القضية إلى الأذهان تحقيقات سابقة أشارت إلى أن التعقيدات البيروقراطية المحيطة بالبرامج السرية داخل المؤسسات الأمنية الأميركية قد تسمح أحياناً بإنشاء مشاريع وهمية يصعب اكتشافها في وقت مبكر، وهو ما يثير تساؤلات بشأن فعالية أنظمة الرقابة الداخلية.
كما كشفت وثائق المحكمة أن راش قدَّم على مدى سنوات معلومات متناقضة عن مؤهلاته العلمية وخبراته المهنية. ففي بعض النماذج ذكر أنه يحمل درجة الماجستير في علوم الحاسوب، بينما أشار في وثائق أخرى إلى أنه أكمل برنامجاً في الهندسة الكهربائية. وأظهرت مراجعات لاحقة أن المؤسسات التعليمية التي نسب إليها تلك المؤهلات لا تملك أي سجلات باسمه.
ولم تتوقف التناقضات عند هذا الحد، إذ أفادت البحرية الأميركية وإدارة الطيران الفيدرالية بأنه لم يكن طيار اختبار عسكرياً كما ادعى، بل لم يكن يحمل أي رخصة طيران من الأساس.
وعند سؤال وكالة الاستخبارات المركزية عن القضية، اكتفت بالتأكيد أن الوكالة ومكتب التحقيقات الفيدرالي «ملتزمان باتباع الحقائق، وضمان المساءلة، وتحقيق العدالة وفقاً للقانون»، فيما امتنع محامي راش عن التعليق.
وقال داريل بلوكر، النائب السابق لمدير مركز مكافحة الإرهاب في الوكالة، إن المؤسسة تشعر بقلق بالغ عندما يتورط أحد عناصرها في قضية جنائية قد تؤدي إلى كشف أسرار أمنية، مضيفاً أن محامي الدفاع يستغلون أحياناً هذا القلق للضغط على الادعاء العام من أجل تسويات تحد من تداول المعلومات الحساسة أمام الرأي العام.
ويعيد ذلك إلى الواجهة واقعة تاريخية شهيرة تعود إلى سبعينات القرن الماضي، حين استعانت وكالة الاستخبارات المركزية برجل الأعمال هوارد هيوز لبناء سفينة عملاقة عُرفت باسم «هيوز غلومار إكسبلورر» بهدف انتشال غواصة سوفياتية غرقت في المحيط الهادئ وعلى متنها أسلحة نووية وطاقمها الكامل. لكن تسريب معلومات عن العملية بعد حادثة اقتحام مكتب هيوز دفع البيت الأبيض إلى إلغاء مرحلة لاحقة من المهمة خشية إثارة رد فعل سوفياتي.
ومن رحم تلك الأزمة وُلد ما بات يُعرف داخل الأوساط الاستخباراتية بـ«رد غلومار»، وهو المبدأ الذي لا تزال وكالة الاستخبارات المركزية تعتمد عليه حتى اليوم في التعامل مع الأسئلة المتعلقة بالعمليات الحساسة، ومفاده أنها «لا تؤكد ولا تنفي» وجود أي برنامج أو نشاط سري.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :