اخبار العرب -كندا 24: الأحد 7 يونيو 2026 12:15 مساءً «الإعمار»... استراتيجية «آل حفتر» الناعمة لـ«تأليف قلوب» الليبيين
انطلق قطار «إعادة الإعمار» من بنغازي (شرق ليبيا) قاطعاً الطريق عبر وسط البلاد، واصلاً إلى جنوبها، مخلّفاً وراءه مزيجاً من الإشادات الواسعة، والانتقادات اللاذعة.
ويقود ملف التعمير في مناطق ليبية عديدة صندوق «التنمية وإعادة الإعمار» الذي يترأسه بلقاسم نجل المشير خليفة حفتر، منذ بدايات عام 2024، بـ«صلاحيات واسعة ورعاية شبه معدومة».
ودشّن «الصندوق» مدناً سكنية ومستشفيات وملاعب كرة قدم في مناطق عديدة بمنطقة سيطرة «الجيش الوطني» في شرق البلاد برئاسة المشير خليفة حفتر، قبل أن يمد خط العمران إلى وسط وجنوب ليبيا، وهما نقاط تماس مع سلطات طرابلس المناوئة له.
وأمر التشييد لا يقتصر على بلقاسم حفتر فقط، فالجيش الذي يتولى شقيقه صدام منصب نائب قائده العام، يتولى إنشاء مشاريع عسكرية في الشرق والجنوب والوسط، فضلاً عن إطلاق المشير حفتر مشاريع في مدينة درنة التي سبق أن ضربها «الإعصار».
ويرى متابعون أن إعادة الإعمار الجارية هي «استراتيجية ناعمة تستهدف توسيع نطاق المشاريع السكنية والبنية التحتية والمنشآت العسكرية التي تحمل بصمات آل حفتر في مختلف أنحاء البلاد، بما يعزز حضورهم السياسي والشعبي على حساب سلطات طرابلس، وتطويقها».
وتأتي هذه المشاريع العمرانية على وقع تجاذبات سياسية خلّفها الانقسام السياسي الحاد بين جبهتَي غرب ليبيا وشرقها، ما دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأنها «تحمل رسائل وأبعاداً متعددة ومتداخلة».
وقال مكتب حفتر نهاية الأسبوع إنه اطّلع على مراحل «مشروع استراتيجي» لإعادة إعمار منطقتَي الصابري في بنغازي، ووسط البلاد، موجهاً بـ«الشروع الفوري في تنفيذ الأعمال وفق الجداول الزمنية المحددة، والالتزام بالمواصفات الفنية ومعايير الجودة المطلوبة».
وتضم منطقة وسط ليبيا مدناً عدة من بينها سرت - مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي - وهي نقطة تماس بين سلطات طرابلس وبنغازي، وهناك تعسكر قوات «الجيش الوطني» في محور «سرت - الجفرة» منذ تراجعها عن اقتحام طرابلس منتصف 2021.
وأمام تسارع وتيرة المشاريع التي يدشنها «صندوق إعادة الإعمار»، يرى فتحي الشبلي، رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، أنه «لا يمكن النظر إليها باعتبارها عملاً خدمياً فقط، أو دعاية انتخابية فقط».
إقناع الناس بـ«الحكم والإدارة»وعدّ الشبلي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الإعمار «أداة لبناء الشرعية السياسية»، وقال: «في الدول التي تعاني الانقسام وضعف المؤسسات، يصبح الإنجاز الملموس على الأرض وسيلة لإقناع المواطنين بأن جهة معينة قادرة على الحكم والإدارة».
ولفت إلى أنه «عندما يرى المواطن طرقاً وجسوراً ومشاريع إسكان ومدناً جديدة، فإنه يربط ذلك تلقائياً بالجهة التي تشرف على تنفيذها، بغض النظر عن مصدر التمويل أو طبيعة الإدارة».
وتقوم على المشاريع التي ينفذها «صندوق إعادة الإعمار» شركات عربية ودولية عديدة، من بينها تركية ومصرية وتونسية وبريطانية وإيطالية وبولندية ويونانية.
وكانت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة التي تقتصر مشاريعها على مناطق غرب البلاد، قررت في مايو (أيار) 2021 إنشاء صندوق لإعمار سرت بقيمة مليار دينار (الدولار يساوي 6.36 دينار في السوق الرسمية)، لكن المدينة بقيت على حالها منذ أن تركها تنظيم «داعش» في ديسمبر (كانون الأول) 2016.
وافتتح بلقاسم المرحلة الثانية من مشاريع تطوير «جامعة سرت» مساء السبت «ضمن جهود الصندوق لدعم البنية التحتية التعليمية».
ويرى محمد إمطيريد، الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، أن هذه المشاريع، خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، «تطوي صفحة من الإهمال الذي عانى منه الليبيون، لا سيما في منطقتَي الشرق والجنوب، وذلك من شأنه أن يبعث الطمأنينة لدى المواطنين، ويفند مزاعم المشككين الذين يسعون إلى التقليل من جودة هذه المشاريع وأهميتها».
وأضاف إمطيريد أن «كل ليبي يحلم بأن يرى بلاده دولةً حضاريةً ذات عمران حديث»، مؤكداً أن «هذه المشاريع الاستراتيجية تحمل رسائل متعددة في مواجهة محاولات جرّ الشعب الليبي إلى أتون الحروب بعيداً عن التنمية».
وأشار إلى أن «الإعمار أعاد الأمل إلى نفوس الليبيين، خاصة أنه أولى المدن المنسيّة، مثل سرت وسبها، اهتماماً كبيراً، وهو ما يؤكد أن جهود الإعمار لن تقتصر على مناطق الساحل، بل ستمتد إلى المناطق البعيدة عن مراكز صنع القرار».
وفي مايو الماضي، شهدت مدينة سبها افتتاح «مطار سبها الدولي» بعد استكمال أعمال إنشائه وتجهيزه بإشراف «الجهاز الوطني للتنمية»، مع الذكرى الثانية عشرة لـ«عملية الكرامة»، التي سبق أن أعلنت عنها قيادته العامة.
وتحدث علي أميلميدي، الذي يعمل محامياً، ويقطن مدينة سبها (جنوب ليبيا)، عن اتساع رقعة المشاريع التي يديرها «صندوق الإعمار» و«الجهاز الوطني للتنمية»، وتنوعها ما بين إنشاءات بمطار سبها، ومسجد، وفندق، وملعب، بالإضافة إلى مشاريع زراعية.
وذهب أميلميدي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الجنوب يعاني من سنوات طويلة من الإهمال والتهميش بسبب فساد الحكومات والتلاعب بالمال العام».
وسبق أن وضع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، حجر الأساس لمشروع يتضمن «مباني خدمية وعسكرية متكاملة» في مدينة سبها، نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
ويعمل ائتلاف من شركات المقاولات المصرية في الإنشاءات التي تقام في عموم ليبيا. ويضم الائتلاف المنفذ لهذه المشاريع المتنوعة في البنية التحتية والطرق: «أوراسكوم للإنشاءات»، و«حسن علام للإنشاءات»، و«رواد الهندسة الحديثة»، و«نيوم».
وكان حفتر شدد على حتمية استتباب الأمن في أنحاء البلاد، والارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين وتأمين رفاهيتهم، وذلك خلال حفل افتتاح مقر لجنة إعادة إعمار وسط البلاد ومنطقة الصابري في بنغازي. وقال: «يجب أن تتوفر لهم المعيشة الراقية».
ويعتقد الشبلي أن «الإعمار يمثل وسيلة استقطاب اجتماعي وسياسي. فالقوة لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بخلق شبكة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية».
وتطرق الشبلي إلى ما يُعرف بـ«صناعة الصورة السياسية». وقال إنه «منذ سنوات كان الخطاب المرتبط بالمشير حفتر يرتكز أساساً على الأمن ومحاربة الإرهاب. أما الإعمار فيضيف بعداً جديداً يتمثل في تقديم نفسه أو معسكره بوصفه قادراً على الإدارة والتنمية وليس فقط العمل العسكري. وهذه نقطة مهمة لأي مشروع سياسي مستقبلي».
وفي نهاية ديسمبر الماضي اعتمد مجلس النواب ميزانية «صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا» المقدرة بـ69 مليار دينار، وذلك لسنوات 2025 و2026 و2027، على أن يتولى «مصرف ليبيا المركزي» إيداع المخصصات السنوية في حساب الصندوق، وأن تغطى من الإيرادات النفطية والسيادية.
ولفت الشبلي إلى أن «ما يجري ليس مجرد دعاية، أو خدمة عامة، بل هو استثمار سياسي طويل المدى يهدف إلى تعزيز الشرعية الشعبية، وتوسيع قاعدة التأييد، وتقديم نموذج حكم بديل مقارنة بالمناطق الأخرى».
وانتهى إلى أنه «إذا أُجريت انتخابات في المستقبل، فمن المرجح أن يُستخدم ملف الإعمار كإحدى أهم أوراق القوة السياسية في الخطاب الانتخابي».
وكان مجلس النواب أصدر قانوناً في 2024 يقضي بإنشاء «الصندوق» ككيان مستقل ذي شخصية اعتبارية، ومقره مدينة بنغازي، ما أثار عاصفة من الانتقادات حينها.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :