اخبارالعرب 24-كندا:السبت 6 يونيو 2026 03:25 صباحاً (CNN)-- يصل البابا لاون الرابع عشر إلى إسبانيا، السبت، حيث من المتوقع أن يركز على قضايا معاملة المهاجرين والاستقطاب السياسي؛ وهي محاور يُرجح أن ترسخ مكانة حبريته كقوة موازنة لإدارة ترامب.
وتتضمن رحلة البابا -وهو أول بابا أمريكي- التي تمتد من 6 إلى 12 يونيو، زيارةً لمراكز المهاجرين، وإلقاء كلمة أمام البرلمان الإسباني في ظل حالة من الاستقطاب الحاد تشهدها البلاد، فضلاً عن زيارة كنيسة "ساغرادا فاميليا" الشهيرة في برشلونة. كما يُتوقع أن يلتقي ناجين من حوادث الاعتداء الجنسي التي ارتكبها رجال دين.
وتُعد هذه الدولة الواقعة في جنوب أوروبا بمثابة نموذج مصغر للتوترات السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة ومناطق أخرى من العالم.
وتلقى البابا دعوة رسمية من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي عُرف بمعارضته الصريحة لحرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إيران وتبنيه سياسة ترحب بالمهاجرين. كما هبّ سانشيز للدفاع عن البابا -المولود في شيكاغو- بعد أن انتقد ترامب موقفه من الحرب في شهر أبريل، حيث صرّح الزعيم الإسباني اليساري قائلاً: "بينما يزرع البعض الحروب، يزرع البابا السلام".
وخلال الأسابيع الأخيرة، واصل البابا التعبير عن معارضته للحرب، بما في ذلك استخدام الخطاب الديني لتبرير الصراعات العسكرية. كما جعل قضية الهجرة أولويةً له منذ انتخابه في مايو من العام الماضي.
وقد نصت أول وثيقة لاهوتية رئيسية للبابا، والتي نُشرت الشهر الماضي، على أن الترحيب بالمهاجرين واللاجئين يُعد "محكاً حقيقياً" للعدالة الاجتماعية، كما وصف معاملة المهاجرين في الولايات المتحدة بأنها "غير إنسانية".
وستشمل زيارة البابا إلى إسبانيا توجّهه إلى جزر الكناري -وهي أرخبيل إسباني يقع قبالة الساحل الشمالي الغربي لأفريقيا- التي أصبحت نقطة دخول رئيسية للقادمين الجدد إلى أوروبا. وخلال تواجده في جزيرتي "غران كناريا" و"تينيريفي"، سيلتقي البابا بالمهاجرين وبمجموعات تسعى لدمجهم في المجتمع، كما سيُحيي ذكرى أولئك الذين لقوا حتفهم في البحر أثناء محاولتهم القيام بالرحلة المحفوفة بالمخاطر للوصول إلى أوروبا.
وتأتي هذه الزيارة قبل أسابيع من رحلة يعتزم البابا القيام بها في الرابع من يوليو إلى جزيرة "لامبيدوزا" في جنوب إيطاليا، والتي تُعد بوابة أوروبية رئيسية للفرارين من بلدانهم عبر البحر الأبيض المتوسط.
وفي تصريح له قبيل الزيارة إلى إسبانيا، قال المتحدث باسم الفاتيكان، ماتيو بروني، إن قضية الهجرة هي أمر يرغب البابا في تناوله من "منظور إنساني"؛ إذ تتمتع الكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا بحضور خيري واسع وتشارك بفاعلية في مساعدة المهاجرين.
وعلى غرار الولايات المتحدة، تتسم إسبانيا بثقافة سياسية تتسم بالاستقطاب الحاد، وسيواجه البابا هذا الانقسام الحزبي وجهاً لوجه عندما يصبح أول بابا يلقي خطاباً أمام مجلسي البرلمان الإسباني.
وتواجه حكومة سانشيز اليسارية صعوبات عدة، بما في ذلك فضائح فساد، في حين تتزايد شعبية الأصوات الأكثر تحفظاً، مثل حزب "فوكس"اليميني القومي الشعبوي.
وفي حديث لشبكة CNN، قال إميليو ساينز-فرانسيس، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة كوميلاس البابوية في مدريد إن "حكومة تواجه حالياً مرحلة من التدهور السياسي المتسارع وتحاصرها فضائح فساد متعددة، ستسعى لتقديم نفسها -إلى جانب البابا- باعتبارها تقف في 'الجانب الصحيح من التاريخ' فيما يتعلق بقضايا مثل معارضة الحرب في إيران وسياسات الهجرة".
لكنه أضاف قائلاً: "في ظل هذا السياق، فإن أي رسالة بابوية تتناول الأخلاقيات السياسية، أو النزاهة العامة، أو الفساد، قد تنعكس سلباً وبسهولة على الحكومة بدلاً من تعزيز موقفها".
ويرى ساينز-فرانسيس أن البابا سيحتاج إلى توظيف "ذكاء سياسي كبير" للتعامل مع حالة التوتر هذه، وأن نجاح الزيارة سيعتمد على قدرة البابا على "تجاوز حالة الاستقطاب الحاد في إسبانيا ومخاطبة قضايا ذات نطاق أوسع".
ورغم توافق سانشيز مع آراء البابا بشأن الحرب والهجرة، إلا أن حكومته دخلت في صدام مع الكنيسة الكاثوليكية المحلية حول قضايا الإجهاض وحقوق مجتمع الميم، كما اختلفت مع بعض الأصوات داخل الكنيسة بشأن النصب التذكارية المخصصة للديكتاتور السابق الجنرال فرانسيسكو فرانكو، الزعيم القومي الإسباني إبان الحرب الأهلية في البلاد.
غير أن البابا -الذي يتقن اللغة الإسبانية- ليس غريباً على البلاد، إذ سبق له زيارتها عشرات المرات، كما أنه يدرك جيداً طبيعة المناخ السياسي السائد فيها.
ومما يعزز دراية البابا بإسبانيا أصوله الإسبانية من جهة والدته، وسنوات عمله في بيرو؛ وهي الدولة التي دخلتها الكاثوليكية عن طريق المبشرين الإسبان.
وفي تصريح لشبكة CNN، قالت بالوما غارسيا أوفيجيرو -وهي متحدثة سابقة باسم الفاتيكان تنحدر من مدريد وتعمل حالياً رئيسةً للقسم الإعلامي في المؤسسة الخيرية الكاثوليكية، ماريز ميلز إنترناشيونال: "يتحدث البابا ليو الإسبانية بطلاقة فائقة تضمن عدم ضياع أي تفاصيل أو معانٍ أثناء الترجمة.. وهذا أمرٌ جوهري عند الحديث عن قضايا معقدة، مثل الاستقطاب والهجرة والتوتر بين الكنيسة والدولة؛ غير أنه أثبت أنه لا يخشى الخوض في المسائل الحساسة".
وتُعد إسبانيا أول وجهة أوروبية رئيسية يزورها البابا ليو منذ انتخابه، كما أنها أول زيارة بابوية للبلاد منذ عام 2011.
ولم يسبق لسلفه، البابا فرانسيس، زيارة إسبانيا، إذ كان يميل إلى تجاوز المعاقل الكاثوليكية التقليدية في أوروبا، في حين يضع البابا الأمريكي الأول هذه الزيارة ضمن أولوياته.
وفي شهر سبتمبر، سيتوجه ليو إلى فرنسا، وهي دولة أخرى ذات تقاليد كاثوليكية عريقة، وإن كانت - شأنها شأن جارتها الجنوبية - قد شهدت علمنةً واسعة النطاق.
ويقول غارسيا أوفيجيرو: "صحيح أن إسبانيا تشهد علمنةً كبيرةً في بعض جوانبها، لكنها تظل أيضاً واحدةً من أكثر الدول الأوروبية التي تشهد معدلات مرتفعة في ارتياد الكنائس".
وستبرز الجذور الكاثوليكية العميقة لإسبانيا بوضوح عندما يزور البابا - عقب محطته في مدريد - إقليم كتالونيا المتمتع بالحكم الذاتي؛ إذ سيزور في برشلونة كنيسة "ساغرادا فاميليا" (العائلة المقدسة) التي صممها أنطوني غاودي، وذلك لتدشين "برج يسوع المسيح" الجديد في الكنيسة. كما سيترأس ليو قداساً داخل الكنيسة تزامناً مع الذكرى المئوية لوفاة المعماري غاودي.
ويتضمن برنامج زيارة لاون أيضاً محطة في "مونتسيرات"، وهو مكان يحظى بأهمية روحية وثقافية بالغة في منطقة كتالونيا؛ حيث سيزور ديراً بندكتياً يعود تاريخه إلى القرن الحادي عشر ويتناول الغداء مع الرهبان المقيمين فيه.
وتأتي زيارة البابا في وقت يُبدي فيه الكثير من الشباب في أوروبا اهتماماً بالكنيسة، وسط تزايد أعداد الراغبين في الانضمام إلى المذهب الكاثوليكي. وقد أثارت زيارة لاون حماسة كبيرة، وسط توقعات بحشود جماهيرية غفيرة.
خلال زيارته، سيعقد البابا لقاءً مع الشباب في ملعب "سانتياغو برنابيو"، معقل نادي ريال مدريد لكرة القدم.
واقترح الكاردينال خوسيه كوبو كانو، رئيس أساقفة مدريد، إمكانية عقد لقاء بين "باد باني" مغني الراب البورتوريكي الذي يحيي حفلاً في العاصمة الإسبانية تزامناً مع الزيارة البابوية- وبين البابا. ويشترك كل من "باد باني" والبابا في الاهتمام بقضايا سياسات الهجرة؛ إذ كان مغني الراب قد دعا إلى إنهاء عمل وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) أثناء تسلمه جائزة "غرامي" في شهر فبراير، كما أثار غضب ترامب بأدائه الغنائي باللغة الإسبانية خلال العرض الفني المصاحب لاستراحة الشوطين في مباراة "سوبر بول".
وفي المقابل، شدد لاون الرابع عشر على أن الكنيسة الكاثوليكية، إذا ما أرادت أن تكون صوتاً أخلاقياً يتمتع بالمصداقية، يتعين عليها أيضاً مواجهة الجوانب المظلمة في ماضيها.
وفي أحدث رسائله البابوية، قدّم البابا اعتذاراً عن تقاعس الكنيسة عن إدانة العبودية، ومن المتوقع أن يلتقي -خلال زيارته لإسبانيا- بشكل خاصٍ بناجين من انتهاكات ارتكبها رجال دين، رغم أن مثل هذه اللقاءات لا يُعلن عنها عادةً مسبقاً.
وقد هزّت إسبانيا فضائح تتعلق بالانتهاكات؛ إذ أفادت لجنة مستقلة في عام 2023 بأن أكثر من 400 ألف شخص وقعوا ضحايا لانتهاكات ارتكبها رجال دين وعلمانيون داخل المؤسسات الكنسية على مدى عقود.
قد يهمك أيضاً
أخبار متعلقة :