اخبار العرب -كندا 24: الاثنين 18 مايو 2026 11:39 صباحاً «الشرق الأوسط» في «مهرجان كان»: فيلمان في واحد... كلاهما رائع
لا تعرف شاشة صالات السينما التفرقة... لا العنصرية ولا الطائفية ولا الطبقية. لا تعرف السياسة ولا تهتمّ بتحليل المواقف أو الحُكم على اتجاهاتها. لا يهمّها أن تعرف الفيلم الجيّد من الفيلم الرديء، ولا الفيلم الذي سينال ذهبية أحد المهرجانات أو سيفشل في استقطاب المعجبين والمؤيّدين.
هي شاشة عريضة مهمّتها عرض الفيلم المُنتَج، قديماً كان أو جديداً، جيّداً أو رديئاً. وما تتميّز به عن سواها من الشاشات أنها أكبر وأثرى وأنقى، وتحيط بالتفاصيل على نحو مختلف. تحيطك صوتاً وصورةً، وتعرض عليك جماليات الفيلم ومؤثّراته وبصرياته بحجم كبير وتأثير أقوى.
ما تفعله هو صيانة الجماليات وتوفيرها دعماً للفيلم ولمشاهديه. بذلك، يبرهن الفيلم عن جدارته بمجرّد أن تمتلئ الشاشة به.
العام الماضي احتفلت الشاشة بهذه العناصر متكاملةً عندما عرض الإسباني أوليفر لاكس فيلم «صراط». كان مبهراً على شكل حالة فنية، ومبهراً كذلك على هيئة استعراض جمالي شامل لدراما ليس هناك فنّ آخر يستطيع إنجازها على النحو نفسه أو أفضل.
وقبله بعام، قدَّم فرنسيس فورد كوبولا أسئلته الحارّة حول أميركا في وجدان المتلقي عبر «ميغالوبوليس». وكان بدوره فيلماً ثرياً بالصورة والتصاميم والمضامين على السواء، بصرف النظر عن الموقف منه حيال أميركا الغد.
هذا العام لدينا «المحبوبة» (The Beloved) لمخرج إسباني آخر هو رودريغو سوروغوين. كلّ لقطة فيه مشغولة باهتمام فائق. كلّ إضاءة وإطار، وكلّ حركة ومشهد، داخلياً كان أو خارجياً. ومرة أخرى، وحدها الشاشة الكبيرة تستطيع الاحتفاء بكلّ هذه العناصر، وتضيف إليها عنصر تجسيد جماليات العمل مقرونةً بموضوعه.
في البطولة شبه المُطلقة، الممثل الإسباني خافيير بارديم، الذي قد لا نجد بين الممثلين المُشاركين في مسابقة المهرجان مَن يستحق جائزة أفضل ممثل أكثر منه. وخلال مؤتمره الصحافي، رسم صورة بديعة عن كيفية استلهامه الأداء، وما يعنيه الفيلم بالنسبة إليه.
كذلك خصَّص جزءاً من حديثه للتطرُّق إلى الوضع السياسي، منتقداً نتنياهو، وقال: «هل هي حرب إبادة؟ بالتأكيد»، كما انتقد ترمب وبوتين على السواء.
فيلم داخل فيلم
إنه عن مخرج يُحقّق فيلماً. ليس أيّ مخرج، وليس أيّ فيلم، بل فنان لا يستطيع إنجاز أي عمل من دون إتقان. ستيفان (خافيير بارديم) هو المخرج، وإيميليا (فيكتوريا لوينغو) هي الممثلة التي يريدها للبطولة.
في مطلع الفيلم، نراه جالساً في مطعم ينتظر. وما تلبث إيميليا أن تصل، لتنطلق بينهما 23 دقيقة من الحوار حول الفيلم الذي يعرض عليها بطولته. ويتطرَّق الحديث إلى تاريخ كلّ منهما مع الآخر. إيميليا هي ابنة هذا المخرج، وتريد أن تقول لا للعرض، لكنها، في المشهد التالي، تظهر بين المشاركين في العمل.
إنه فصل من المَشاهد التي تثير الأسئلة من خلال الحوار، وكذلك من خلال هاتين الشخصيتين المتقاربتين عائلياً والمتباعدتين على مستوى العلاقة. الكاميرا تمسح الوجهين، وتتبادل اللقطات بينهما، أو تحصرهما في لقطة واحدة. ويثير ذلك التساؤل حول ما إذا كان المخرج سيحقّق فيلمه كلّه على هذا المنوال، لكنّ المفاجآت تتوالى على نحو غير متوقَّع.
يحمل الفيلم داخل الفيلم عنوان «صحراء»، وهو يدور حول الصحراء الغربية في ثلاثينات القرن الماضي، عندما كانت لا تزال تحت الوصاية الإسبانية. ولا يفصح سوروغوين كثيراً عن مضمون هذا الفيلم، لكن ذلك لا يهم، لأن الموضوع الماثل على الشاشة هو علاقة المخرج بابنته، ممثلةً وابنةً في الوقت نفسه.
وكان من المفترض أن تنفصل الحالتان، وفي أحد المَشاهد تقول لوالدها: «أنا هنا ممثلة، ولستُ ابنتك». ترفض النصيحة، لكنها لا تردعه. المواجهة ما زالت في بدايتها.
توتّر علاقات
ستيفان (يؤدّيه خافيير بارديم بإتقان) مخرج عنيد وصارم. يريد لكلّ تفصيلة في باله أن تُنفذ بالطريقة التي يراها. هي الطريقة الوحيدة، وهناك أكثر من مشهد دالٍ على ذلك، أهمها مشهد يُصوّر ممثلي الفيلم، بينهم ابنته، على طاولة غداء ممتدّة. يوقف المخرج التصوير ليُنبّه أحد الممثلين الرئيسيين إلى أنّ عليه أن يأكل كأنه جائع، لا كأنه ممثل. يحاول الممثل مرة ومرتين وثلاثاً ثم أكثر، وفي كلّ مرة يتقدَّم منه المخرج رافضاً ما أدّاه في اللقطة السابقة ويصرخ في وجهه.
ثم يأتي دور ابنته، التي يُوجه إليها الملاحظة نفسها حول كيفية تناول الطعام. لكن إيميليا ترفض هذه المعاملة، ولاحقاً تنوي ترك الفيلم. نتابع ما يبدو هوس المخرج بالتفاصيل. يرفض أن يتنازل أمام تفصيلة قد لا يلاحظها سواه، حتى لو تطلَّب الأمر إعادة المشهد 10 مرات. إنه المخرج الذي يعرف ما لا يعرفه الآخرون، وعلى الجميع تأمين ما يطلبه مهما كانت الحركة صغيرة.
في محور العلاقة بين هذا المخرج وممثليه، وباقي فريق العمل، هناك توتّر شديد بينه وبين ابنته خلال التصوير. يطلب منها الدقة، وتطلب منه التصرف بلياقة تجاه الآخرين. لا يستطيع. لكن، في أحيان كثيرة، نراهما يتبادلان أحاديثهما بحنان ومودّة، ممّا يرفع من حدّة التساؤل حول موقع كلّ منهما من الآخر.
يجمع سوروغوين خيوطاً عدّة في هذا الفيلم، إلى جانب تصوير العلاقة بين مخرج يريد لابنته النجاح، وبين امرأة لا تستطيع الالتقاء مع والدها في المنهج الذي يمارس به عنايته وحتى فنّه.
وهو أيضاً فيلم عن تصوير فيلم، كما كانت حالة عدد من الأفلام السابقة، آخرها الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» ليواكيم ترير (2025)، الذي يعالج بدوره علاقة مخرج بابنته الممثلة.
لكن «المحبوبة» أكثر انشغالاً بصعوبة تلك العلاقة، وصعوبة العلاقات الأخرى بين المخرج ونفسه، وبينه وبين جميع العاملين معه. وهو أفضل من الفيلم الكلاسيكي «ليلة أميركية» لفرنسوا تروفو (1973)، لأنّ ذلك الفيلم تناول هذه العلاقات على نحو ظاهري، في حين بقيت التحدّيات داخل الفيلم الذي يُصوَّر، لا ضمن نطاق الفيلم الذي نشاهده.
أسود وأبيض بالألوان
إجادة «المحبوبة» تبلغ درجة مذهلة على مستوى العلاقة بين الفيلم الذي يخرجه سوروغوين لنا، والفيلم الذي يخرجه بطله ستيفان. كلا الفيلمين مشغول بالإحكام نفسه، وبحُبّ التفاصيل، وحالة الانصهار ذاتها.
خافيير بارديم يبدو كما لو كان رودريغو سوروغوين، لأنّ الأخير يمنح مشاهديه فيلماً منفذاً بالطريقة عينها. ربما لا يصرخ في ممثليه ولا يتصرّف خلال التصوير على هذا النحو، لكنه، وكما تشهد اللقطات، حريص على تنفيذ رؤيته بكلّ تفاصيلها، ممّا يجعل التماثل بينه وبين المخرج في فيلمه متطابقاً.
ويؤدّي بارديم الدور المرسوم له بنَفَس واحد منذ البداية. لا يتعثّر لحظة ولا تفوته ثانية. لا تسقط من أدائه أيّ تفصيلة. يعرف ما يُراد منه ويتنفّس الدور بإتقان.
ولزيادة الحرص على التميُّز، يعمد المخرج سوروغوين إلى الانتقال من أسلوب الكاميرا المحمولة إلى الكاميرا الثابتة، ومن اللقطات العريضة إلى لقطات مصوَّرة بنظام 35 ملم، ومن الألوان إلى الأبيض والأسود. وحده يستطيع الإجابة عن سبب هذه الانتقالات في مَشاهدها المحدّدة ولماذا لجأ إليها.
وليست هذه النقلات عشوائية، وإنما مدروسة ولها أسبابها. وأبرزها التدخُّل لنقل المُشاهد عبر الأحوال النفسية والمشاعر العاطفية للشخصيات. أما الأبيض والأسود فيُستخدمان عادةً للوجوه لحظة اكتشافها من جديد. وهي انتقالات تفصل بين الألوان، لكنها لا تؤثّر في سياق العمل وسلاسته.
Your Premium trial has ended
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :