اخبار العرب -كندا 24: الأربعاء 25 فبراير 2026 11:27 صباحاً في 11 يوليو (تموز) من العام الماضي، تسلم شارل كوشنير رسمياً منصبه سفيراً للولايات المتحدة لدى فرنسا، بعد أن صادق مجلس الشيوخ الأميركي على تسميته. والسفارة في باريس تُعدّ من الأهم من بين جميع البعثات الدبلوماسية الأميركية عبر العالم. ومن المتعارف عليه أن الرئيس الأميركي المنتخَب يقوم بتسمية مقربين منه لهذا المنصب، أو من قدَّم تبرعاً مالياً كبيراً لحملته الانتخابية.
والحال أن كوشنير، وفق ما تبيِّنه السجلات الانتخابية، قدَّم مليون دولار لحملة ترمب في عام 2023، ولذا لا يمكن اعتباره من كبار المساهمين. لكنه، بالمقابل، والد جاريد كوشنير، صهر الرئيس ترمب ومبعوثه، إلى جانب ستيف ويتكوف، إلى ثلاثة ملفات رئيسية: أوكرانيا وإيران وغزة.
وتقول مصادر فرنسية واسعة الاطلاع إن باريس لم تكن متحمسة لتسمية المطور العقاري سفيراً لديها، نظراً لسيرته الشخصية، بينما باريس تتبع نهجاً صارماً لجهة اختيار أفضل دبلوماسييها ليمثلوا بلادهم في العاصمة الأميركية. وما لم تستسغه باريس أن يُوفَد شخص صدر بحقه حكم بالسجن لعامين في حبس فيدرالي، واعترف بارتكاب جنحة التهرب الضريبي، والتمثيل غير الشرعي لحملات انتخابية، وتحريض شهود على الإدلاء بشهادات زور.
وقبل مغادرته البيت الأبيض، في عام 2020، أصدر ترمب عفواً عن شارل كوشنير، بحيث أعاد تصفير سجلَّه العدلي، ثم عَمَد، بعد عودته إلى الرئاسة، العام الماضي، إلى تسميته سفيراً في عاصمة النور.
كوشنير سفير لا يشبه بقية السفراءيُعدّ كوشنير سفيراً لا يشبه باقي السفراء، بمعنى أنه لا يحترم الأصول واللياقات الدبلوماسية؛ فبعد شهر واحد على وصوله إلى باريس، وجَّه رسالة شخصية للرئيس إيمانويل ماكرون اتهم فيها فرنسا بأنها «لا تبذل ما يكفي لمكافحة معاداة السامية»، في الوقت الذي كانت فيه باريس تبذل جهوداً لإنجاح مؤتمر الأمم المتحدة لحل الدولتين، ووسط انتقادات فرنسية قوية لممارسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية.
وقتها، وصفت الخارجية الفرنسية رسالة كوشنير بأنها «غير مقبولة»، وطلبت منه المجيء إلى مقرها. إلا أن الأخير رفض الاستجابة وتلبية الاستدعاء، وعمد إلى إرسال نائبه بدلاً عنه. ونهاية الأسبوع الماضي، علَّقت الخارجية الأميركية على موت الشاب اليميني المتطرف في مدينة ليون، خلال اشتباك مع نشطاء من اليسار المتطرف، وجاء فيما كتبَتْه: «إنّ اليسارية الراديكالية العنيفة في تصاعد، ويُظهِر دورها في وفاة كونتان ديرانك التهديدَ الذي تمثّله للسلامة العامة».
وأضافت التغريدة: «سنواصل متابعة الوضع عن كثب، ونتوقّع أن يتم تقديم مرتكبي أعمال العنف إلى العدالة». وكتبت سارة بي روجرز، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الدبلوماسية العامة ما يلي: «عندما تقرِّر قتل الناس بسبب آرائهم، بدل إقناعهم، فإنك تكون قد خرجت من إطار الحضارة. ولهذا نتعامل مع العنف السياسي، أي الإرهاب، بأقصى درجات الحزم».
لم يتأخر رد باريس، على لسان وزير الخارجية جان نويل بارو، الذي قال، الأحد، في برنامج إذاعي، إن فرنسا «ترفض أي استغلال لهذه المأساة لأغراض سياسية... وإنها لا تتلقى دروساً فيما يتعلق بالعنف، لا سيما من الأممية الرجعية»، في إشارة مباشرة للولايات المتحدة ولسياساتها في الداخل والخارج.
كذلك وجهت غالبية الوسائل الإعلامية الفرنسية سهامها باتجاه واشنطن، بالنسبة لما حصل في مينيابوليس، وفي مناطق أخرى، فضلاً عن سياستها الخارجية إزاء جزيرة غرينلاند القطبية، أو لجهة فرض رسوم مرتفعة على الصادرات الفرنسية إليها.
كذلك، فإن باريس تأخذ على الإدارة الأميركية فرضها تدابير غليظة على المفوض الأوروبي السابق، تييري بريتون، الذي تتهمه بالدفع لفرض ضرائب باهظة على الشركات التكنولوجية والرقمية الأميركية، عندما كان يمارس وظيفته في بروكسل، وعلى نيكولا غيلو، القاضي الفرنسي في المحكمة الجنائية الدولية لدوره المفترض في قرار المحكمة بطلب القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بسبب جرائم إسرائيل في غزة.
ما سبق غيض من فيض المآخذ الفرنسية على واشنطن. والاتهامات بين الجانبين كثيرة، وأكثر من مرة لم يتردد ترمب في مهاجمة ماكرون شخصياً، الذي لم يستسغ تعليقات رئيسة الوزراء الإيطالية، ميلوني، بخصوص ما حصل في ليون؛ إذ دعاها لـ«الاهتمام بما يجري في إيطاليا». وميلوني، كما هو معروف، قريبة جداً من ترمب، وتُعد حليفته داخل الاتحاد الأوروبي.
إزاء هذا التصرف العدائي، استدعى بارو السفير الأميركي مجدداً إلى الخارجية للقائه في السابعة من مساء الاثنين. إلا أن الأخير، كما في المرة السابقة، لم يستجب للطلب الرسمي؛ الأمر الذي دفعه لإصدار بيان جاء فيه أنه يريد تفسيراً لرفض السفير الأميركي احترام قواعد السلوك الأساسية للدبلوماسيين، معتبراً تصرف كوشنير «أمراً مفاجئاً»، وأضاف: «عندما يُشرَّف المرء بتمثيل بلده، الولايات المتحدة، في فرنسا كسفير، فعليه الالتزام بأبسط قواعد الدبلوماسية والاستجابة لاستدعاءات وزارة الخارجية».
وانتهى بيان الخارجية بتنبيه كوشنير بأنه ممنوع من التواصل مباشرة مع وزراء الحكومة الفرنسية، بانتظار أن يقدم تفسيراً لرفضه الاستجابة لطلبه، وتُعدّ هذه «العقوبة» أمراً نادراً بين الدول الحليفة. وكان كوشنير قد كلف دبلوماسيّاً في السفارة الأميركية بالحضور إلى الخارجية الفرنسية، معللاً غيابه بـ«انشغالات شخصية».
بعد ظهر الثلاثاء، كشفت وزارة الخارجية الفرنسية أن السفير كوشنير اتصل بالوزير بارو، الذي أوضح له مباشرة الأسباب التي دفعته لاستدعائه، وجوهرها أن فرنسا «ترفض أي شكل من أشكال التدخل في شؤونها الداخلية أو تسخير النقاشات الجارية داخلها كأدوات من جانب سلطات خارجية».
ورداً على ذلك، قال كوشنير إنه «أخذ علماً بذلك، وأعرب عن رغبته في عدم التدخل بالنقاشات العامة (في فرنسا)، وذكَّر بالصداقة التي تربط بين فرنسا والولايات المتحدة. وقد اتفق الوزير والسفير على الالتقاء في الأيام المقبلة لمواصلة العمل من أجل علاقة ثنائية متينة، التي تحتفل هذا العام بمرور 250 عاماً على إقامتها».
هل يعني ذلك أن الجفاء قد انتهى إلى غير رجعة؟من الصعب تصوُّر ذلك، لأن ثمة خلافات عميقة بين الجانبين، ولن تُمحى بعد لقاء تم التعبير عنه بلغة دبلوماسية مقننة، وحقيقة ما جرى يبقى داخل جدران المكتب الذي جرى فيه اللقاء.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :