اخبار العرب -كندا 24: الثلاثاء 17 فبراير 2026 08:15 صباحاً كان رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات الذي رحل مطلع الشهر الحالي، لاعباً وشاهداً على محطات حساسة في تاريخ بلاده.
بدأ الرجل سبعينات القرن الماضي مساعداً لمدير المخابرات، ثم مديراً لها حتى عام 1982. وفي ذروة الصدام الفلسطيني - الأردني، خطفته «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» قبل أحداث سبتمبر (أيلول) 1970. تولى أيضاً وزارة الداخلية لعامين، قبل أن يكلفه الملك حسين رئاسة الحكومة مطلع 1984، وجمع معها منصب وزير الدفاع، حتى أبريل (نيسان) 1985.
ظل عبيدات لأكثر من عقد ونصف العقد في مركز القرار. ولعب بعدها أدواراً استفادت من خلفيته القانونية، من رئاسة اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني مطلع التسعينات، إلى أدوار حقوقية وقضائية كان آخرها رئاسة مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان حتى 2008.
قبل أسابيع من «طوفان الأقصى»، التقيت عبيدات في عمّان. كان يفترض أن تُنشر المقابلة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكن الحدث الكبير فرض تأجيلها، خصوصاً في ظل تطرق الرجل إلى محطات شائكة، سيما في ملف العلاقات الأردنية - الفلسطينية.
في الحلقة الأولى من شهادته، يعود عبيدات إلى سنوات التكوين الأولى، حين بدأت رحلته السياسية والمهنية طالب حقوق في بغداد عشية ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، ثم عودته إلى العراق بعد سقوط الحكم الملكي، وما رافق ذلك من تحولات كبرى في المنطقة.
تنتقل الشهادة إلى بداياته العملية في الأردن، من تجربة قصيرة في المحاماة، إلى التحاقه بالأمن العام، ثم مشاركته في مكتب التحقيقات السياسية الذي شكّل النواة الأولى للعمل الاستخباري المنظم. وتُختتم بسرد تفصيلي لظروف تأسيس جهاز المخابرات العامة عام 1964، وبنية الجهاز الناشئ، وأسماء رجاله الأوائل، في مرحلة كانت فيها الدولة الأردنية تعيد بناء أدواتها في إقليم شديد الاضطراب.
دولة الرئيس، كنت طالباً في بغداد وحدثت ثورة 1958، أين كنت عندما حدثت الثورة؟
- الحقيقة أنهيت السنة الأولى في كلية الحقوق، وعدت للأردن لقضاء العطلة الصيفية مع أسرتي، وأثناء وجودي في مدينة إربد جاءت الأنباء بقيام الثورة، ثورة 14 تموز في العراق التي أطاحت الحكم الملكي؛ ولذلك بعد انتهاء العطلة الصيفية عدت إلى بغداد وكان هناك حكم جمهوري لعبد الكريم قاسم والمجموعة التي كانت معه.
كانت صعبة العودة إلى بغداد في ضوء ما حدث في 14 تموز؟
- واجهت بعض الصعوبات. حتى في الطريق واجهتنا صعوبات بالعودة، حيث كانت الحدود شبه مغلقة بين الأردن والعراق، فاضطررنا إلى أن نعود من خلال دمشق، وأيضاً بطرق صحراوية عدنا من دمشق إلى بغداد، وكانت رحلة شاقة من دمشق.
متى غادرت بغداد؟
- بعد انتهاء السنة الأخيرة من الدراسة، وفي اليوم الأخير من الامتحانات في السنة الرابعة عام 1961، وفور انتهاء آخر امتحان غادرت باتجاه المنزل الذي كنت أسكنه مع بعض الطلبة الأردنيين، وجهزت نفسي وعدت في اليوم نفسه إلى الأردن، وكانت الحدود قد أُعيد فتحها بين بغداد وعمان.
هل كان معك طلاب بالجامعة ممن تولوا بعد ذلك مناصب في العراق؟
- طبيعي، صدام حسين نفسه كان معنا في كلية الحقوق، وكان يدرس في كلية الحقوق بالفترة المسائية، فقد كانت الدراسة قسماً صباحياً وقسماً مسائياً.
هذا كان في عام 1958؛ لأنه في عام 1959 حاول اغتيال عبد الكريم قاسم ثم هرب، فهل رأيته بالجامعة؟
- لقد رأيته مرة واحدة بالصدفة، وكان معه آخرون وأحدهم عُين محافظاً في وقت لاحق. وبعض الطلبة الآخرين أصبحوا محامين وكان معنا عدد محدود، لا أتذكر أسماءهم الآن.
متى عدت إلى بغداد؟
- عدت إلى بغداد سنة 1983 كنت وزيراً للداخلية. وذهب لحضور مؤتمر وزارة الداخلية العرب بعد 22 سنة وبعض الأشهر.
من التقيت في بغداد كوزير للداخلية؟
- سعدون شاكر.
هل كانت لك علاقة قوية مع سعدون شاكر، أم كانت علاقة عادية؟
- علاقة عادية، وبعدها لجأ للأردن هو وعائلته في وقت متأخر بعد الغزو الأميركي، وطبعاً تعرفت على طه ياسين رمضان ومحمد مهدي صالح وزير التجارة لاحقاً، وهو موجود في الأردن حالياً.
كيف كان طه ياسين رمضان؟ سعدون شاكر قيل إنه وزير داخلية شرس وعنيف؟
- قد يكون بالنسبة للعراقيين كذلك، أما بالنسبة لنا كانت علاقات مجاملات أكثر منها علاقات عميقة تتعرف من خلالها على سلوكه اليومي.
هل التقيتم أحداً سوى وزير الداخلية بهذه الزيارة؟
- كانت اللقاءات محدودة، وكان الأمير نايف يعدّ عميد وزراء الداخلية العرب وقتها.
وهل كان الأمير نايف بهذا الاجتماع؟
- نعم، كان بالاجتماع، أمضيت ثلاثة أيام فقط في بغداد، وبعد انتهاء المؤتمر طلبت من العراقيين سيارة وسائقاً من دون حرس، حيث ذهبت إلى الأماكن التي كنت أسكنها أثناء دراستي في منطقة الأعظمية والوزيرية. مناطق لطيفة كانت مناطق هادئة ويسكنها دائماً فئة المهنيين من الناس، مهندسون أطباء محامون وضباط.
كنت وزيراً للداخلية ومدير مخابرات بالوقت نفسه؟
- لا، أنا كنت مديراً للمخابرات لمدة سبع سنوات ونصف السنة، ثم أُحلت على التقاعد، وفي اليوم الثاني عُيّنت وزيراً للداخلية، فقد شغر منصب وزير الداخلية في حكومة المرحوم مضر بدران، بانتقال المرحوم سليمان عرار الذي عُيّن رئيساً للمجلس الوطني الاستشاري الذي جاء لتغطية غياب مجلس النواب.
عندما عدت من بغداد ماذا عملت؟
- عندما عدت لم أتقدم بطلب توظيف لديوان خدمة الموظفين. وكان توجهي العمل في المحاماة، كان والدي يعمل في الأمن العام ضابطاً. وقد أحيل على التقاعد وسكن في محافظة إربد هو ووالدتي وأخواتي.
أذكر أني ذهبت في يوم وزرت رئيس محكمة البداية في مدينة إربد المرحوم الأستاذ سعيد الدرة، فاستقبلني بكل ترحاب قدمت له نفسي أنا فلان وخريج حقوق بغداد، وطلبت منه أن ينصحني أين أتدرب مع المحامين الممارسين في منطقة إربد. رحَّب بي الرجل وقال في إربد لا يوجد عدد كبير من المحامين الممتازين في ذلك الوقت، لكن هناك شخصين أرشحهما لك.
فعلاً ذهبت لواحد من المحامين اللذين رشحهما لي. وفعلاً رحب بي الرجل. لكن كانت مشكلته أنه لا يعمل في جميع الأيام. وبدأت التدريب عنده، بعد أشهر عدة وجدت أن إربد لا يتوفر فيها حراك اقتصادي قانوني. بمعنى لا توجد قيمة مضافة تساعدني لكي أكون محامياً ناجحاً، فاقترحت على والدي أن أنتقل للعمل والسكن في عمّان.
فكان رد والدي بأنه لا يستطيع مساعدتي؛ لأن راتبه التقاعدي في ذلك الوقت كان بسيطاً جداً وبيتنا بالأجرة ولي شقيقات ما زلن يدرسن في المدارس. وأنه من الصعب أن يتم تقسيم الراتب بين أسرة كاملة وفرد واحد من الأسرة.
وسألني عن توفر خيارات أخرى، فأجبته بأني ذاهب إلى عمان وسأقدم طلب توظيف إلى ديوان الخدمة المدنية.
وبالفعل، وبعد أسابيع قليلة طُلبت لديوان الخدمة المدنية وتسلمت كتاب تعييني في مالية الجمارك، وعُيّنت في جمارك عمّان.
متى دخلت سلك المخابرات العامة؟
- لقد تأسست المخابرات عام 1964، وقبل ذلك كنت التحقت بجهاز الأمن العام برتبة ضابط، لم يكن هناك وقتها جهاز للمخابرات، أي قبل عام 1964، وكان جهاز الأمن العام حينها يضم قسماً يتولى قضايا المباحث العامة كما تسمى في بعض الدول العربية.
طبعاً أعلن جهاز الأمن العام عن وظائف لحاملي درجة القانون، وقد كان الحقوقيون يلتحقون بالأمن العام وبالجيش. في الجيش طبعاً يلتحق من يحمل درجة القانون بالقضاء العسكري، وفي الأمن العام يلتحقون بقضاء الشرطة. أو للعمل ضمن اختصاصه في أي موقع يحدد من قِبل إدارة الجهاز.
كانت هناك لجنة تقابل الراغبين في التجنيد، ذهبت وقابلت اللجنة. وبعد فترة قصيرة تم قبولي. وفعلاً قدمت استقالتي من مالية الجمارك والتحقت بالأمن العام. وبعدها أدخلونا دورة لمدة ثلاثة أشهر في كلية الشرطة. بعد الأشهر الثلاثة مُنحت رتبة ملازم أول وكان ذلك في 1/4/1962، وكنت قد اشتغلت بالجمارك 5 أو 6 أشهر.
إذن، في عام 1962 صرت بالأمن العام؟
- في شهر أبريل (نيسان) من عام 1962، صرت ملازماً أول في الأمن العام، وبعدها بقليل تم تشكيل مكتب التحقيقات السياسية من الجيش والأمن العام، وقد تشكل المكتب من ضباط حقوقيين أتوا من الجيش، مثل المرحوم مضر بدران الذي جاء من القضاء العسكري ومعه أديب طهبوب، وقد كان الاثنان يحملان رتبة نقيب (كابتن)، ومن الأمن العام جئت أنا وطارق علاء الدين زميلي الذي تسلم بعدي مديراً للمخابرات. وبالفعل، ذهبنا الأربعة إلى مكتب التحقيقات السياسية برئاسة محمد رسول الكيلاني وكان بالأمن العام.
ومكتب التحقيقات السياسية كان يتعامل بقضايا تحوَل من أي جهة أمنية أو رسمية أو من الجيش أو الاستخبارات العسكرية أو من الديوان الملكي.
بعد فترة من الزمن وبعدما اطلعوا على نتائج عملنا، أمر الراحل الملك الحسين أن يتم تشكيل جهاز له مرجعية قانونية في البلاد. فصدر قانون المخابرات العامة سنة 1964 والذي تشكلت المخابرات العامة بموجب أحكامه.
غادرت الأمن العام وذهبت للمخابرات، وكان العاملون والمؤسسون للجهاز في ذلك الوقت من خيرة قيادة المخابرات العامة، وكان محمد رسول الكيلاني هو أول مدير للمخابرات. ومن بعده جاء مضر بدران، وبعده تسلم الجهاز نذير رشيد، ثم عاد محمد رسول مرة أخرى لفترة بسيطة. وبعده تسلمت إدارة الجهاز ومن بعدي تسلم طارق علاء الدين - رحمهم الله جميعاً.
شاءت الأقدار أن تكون تجربتك في المخابرات بمرحلة ساخنة أردنياً وعربياً. كلنا نحمل آثار 1967، أنت كنت ضابطاً بالمخابرات وحصلت الحرب، بماذا شعرت حينها؟
- في 1967، وكأي مواطن عربي، كنا الشباب الموجودين في الدائرة نشعر بالصدمة الكبرى، شعرنا بأنها هزيمة وليست نكسة. هزيمة عسكرية، هزيمة سياسية، هزيمة نفسية، هزيمة اجتماعية بكل ما تعنيه الكلمة.
هل خطر على بالك ليت الأردن لم يشارك بالقتال؟
- طبعاً؛ لأن في هذه القضية كنت مُطلعاً على جانب من المشاورات مع الرئيس عبد الناصر.
ما رأي المخابرات في المشاركة الأردنية بالحرب؟
- لم يكن هناك رأي للمخابرات. وكان الرأي السياسي مثلاً لشخصية بحجم ووزن شخصية وصفي التل، بأن دخول الأردن الحرب عام 1967، هو خطأ. صحيح أن وصفي لم يكن في المسؤولية، لكنه ظل قريباً من الملك ومؤثراً.
بعد هذه السنوات بتقديرك لماذا ذهب الملك حسين إلى الحرب؟
- الملك حسين كان يعتقد أن إسرائيل ستحتل الضفة الغربية، سواء شاركنا في الحرب أو لم نشارك. وأن المشاركة مغامرة قد تنجح وقد لا تنجح. طبعاً الكارثة كانت اكتشاف أن الطيران المصري دُمّر بالكامل، والمشكلة الأكبر عندما علمنا بأن هذا السلاح صار مدمراً بنصف ساعة.
هل علمتم كجهاز مخابرات عن تدمير الطيران المصري سريعاً؟
- لا، لم نكن نعلم، لكن الشعور بالمرارة كان واضحاً على المستويين الرسمي والشعبي. فالخسارة بالنسبة للأردن كانت كبيرة.
هل خشيتم على النظام؟
-لم نخش على النظام، لكننا سعينا لاحتواء الغاضبين. وبررنا غضبهم، وتحمّلنا المسؤولية في أن نستوعب صدمة الهزيمة بكل مراراتها.
بدأت وانتهت حرب عام 1967 وهُزمت الجيوش العربية، وعاد الموضوع الفلسطيني إلى الواجهة وبدأ الرهان على المنظمات الفلسطينية، كان هذا أهم ملف عندكم؟
- طبعاً، كان هذا الأمر مصيرياً جداً.
متى التقيت ياسر عرفات أول مرة؟
- بعد أحداث سبتمير (أيلول) 1970 (المواجهات الأردنية - الفلسطينية)، ولم أكن قد جلست معه قبل ذلك.
وهل كان خروج ياسر عرفات من عَمّان مع الوفد العربي بعلم المخابرات والسلطة الأردنية؟
- ليس هذه القصة، القصة أنه خرج مع وفد رسمي.
وللمفارقة، عندما أصبحت مديراً للمخابرات كان معي سائق، وقد كان هذا السائق يقود مدرعات عسكرية في الجيش العربي خلال أحداث أيلول. وقد روى لي هذا السائق، بأنه كان يقود المدرعة التي حملت ياسر عرفات إلى المطار. وقد أبلغني بأن عرفات غادر متخفياً مرتدياً زياً خليجياً.
طبعاً، المصفحات كانت وسيلة التنقل للوفود الرسمية، وبطبيعة الحال لو تم الكشف عن هوية عرفات فلم يكن ليعتقل في تلك الفترة؛ لأنه خرج لحضور قمة عربية في القاهرة. وبالمناسبة، رجع إلى عمّان بعد مؤتمر القمة مباشرة.
هل ذهبت إلى مؤتمر القمة حينها؟
- نعم، لكن نحن كوفد لم نحضر المؤتمر، حضر الملوك والأمراء والرؤساء فقط. وكانت عُقِدت القمة لوقف الأحداث، وكوفود رسمية لم نحضر اجتماع الرؤساء، وعندما جاء الملك حسين التأم المؤتمر برؤساء الوفود فقط.
هل كان من الصعب ذهاب الملك حسين حينها؟
- لا، وقد أُجرِيت مصالحة بين الراحل الحسين وبين عرفات. انتهى المؤتمر ورجعنا إلى الطائرة، ونحن بالطائرة وصلنا خبر وفاة عبد الناصر، وتأثر الملك حسين جداً.
من أبرز القيادات الفلسطينية التي اُعتُقلت في ذلك الوقت؟
- بالصدفة اعتقلنا أبو إياد وكان مع قيادات مختلفة ومنهم محمود المعايطة من قيادات «البعث». وفعلاً وُجِدوا في الدائرة. لكن لا شيء حصل معهم. ضيفوهم ولم يتعرضوا لشيء ولا أحد سألهم.
في تلك الأثناء غادر رئيس الوزراء الأردني وقتها وصفي التل إلى اجتماع وزراء الدفاع في القاهرة، وتم اغتياله هناك، هل نُصح بألا يذهب؟
- سمعت بأنه نُصح، لكنه قال إن مصر دولة تحترم نفسها وتحترم ضيوفها، وبعدها غادر.
ما هو الخيط الغامض في عملية اغتيال وصفي التل؟
- الخيط الغامض حتى الآن أن المجموعة التي أطلقت النار عليه كانت في مواجهته بمدخل الفندق. بالتشريح الطبي اتضح أن رصاصاتها لم تكن هي التي أودت بحياته. ما أودى بحياته رصاصة قاتلة من الخلف من قناص كان في مكان آخر غير مرئي. قناص لم يُعرف لليوم. ولا أحد يعلم من هو.
هل يمكن القول إن وصفي التل كان مغامراً برحلته الأخيرة إلى القاهرة؟
- لا، وصفي ليس مغامراً، وصفي صاحب مشروع سياسي مختلف. لذلك؛ وصفي شخصية متفردة فيما تقول وتفعل.
هل تم توجيه عمليات ضد الأردن غير عملية وصفي التل؟
- بهذا الشكل لا.
تعتقد أن قرار اغتيال وصفي التل أخذه أبو إياد؟
- لوحده مستحيل، أخذته القيادة الفلسطينية وبظني أبو عمار كان مطلعاً.
لماذا تم اغتيال وصفي التل دون سواه من المسؤولين العسكريين أو الأمنيين؟
- لقد اتهمت «منظمة أيلول الأسود» التي قادها وأسسها أبو إياد بأن الشهيد وصفي التل كان هو صاحب القرار في طرد بقية الفدائيين الذين تحصنوا بمناطق شجرية في محافظة جرش وعجلون شمال البلاد.
وهل كان متسبباً بتلك الحادثة؟
-لا.
إذن، ما هو سبب تلك الحادثة التي أسفرت عن طرد الفدائيين؟
- الفدائيون الموجودون في جرش اعتدوا على مركز الشرطة وقتلوا بعض أفراده. عدوان سافر في النهار أمام المواطنين، كلهم فرد فعل الجيش كان عفوياً بأن هاجم أقرب المواقع للفدائيين. وهكذا بدأت المشكلة. في الساعات الأولى استسلم أكبر عدد من الفدائيين وسلموا سلاحهم والباقي قاوم. هناك من قُتل وهناك من فرّ إلى الضفة الغربية بعدما انتهى الفلتان. كل الذين سلموا سلاحهم نُقلوا للقاعدة الجوية في المفرق.
كانوا يحمّلون وصفي التل مسؤولية ما حدث في عجلون وجرش. وصفي التل، رئيس حكومة ووزير دفاع. من ناحية أدبية، أي إنسان يحترم نفسه لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته الأدبية بأن يتحمّل المسؤولية. كان من الممكن لغيره أن ينسحب ويقول أنا لم أكن أعلم ولا علاقة لي. وصفي التل ضحى بنفسه وسكت.
إذن، القرار كان للجيش؟ وهل قُتل في تلك العملية أبو علي إياد؟
- نعم.
هل كانت صعبة هذه المرحلة على المخابرات؟
- صعبة جداً، كل المرحلة كانت صعبة.
أنت تعرضت لعملية خطف قبل أحداث عام 1970 على يد «الجبهة الشعبية» ثم على يد «فتح». هذه كانت «شمة هواء» (نزهة) ولم يُحقق معك؟
- نهائياً. لم يتم سؤالي سؤالاً واحداً.
اختطفتك «الجبهة الشعبية» ولم تحقق معك؟
- لم أُسأل سؤالاً واحداً. هذا أمر غريب. شربنا الشاي بقينا لمدة ساعة أو ساعتين، انتقلنا إلى بيت في عمّان من الوحدات. هناك شربنا الشاي وأكلنا كعكة وأعادوني إلى بيتي في جبل التاج.
هل هدّد مدير المخابرات حينها بشن عملية عسكرية للإفراج عنك؟
- قيل لي إن مضر بدران (مدير المخابرات) قال لرئيس الأركان وأنا عند «الجبهة الشعبية»: سأتحرك الآن، سأحرك سرية تابعة للمخابرات العامة بأسلحتها وعرباتها وأهاجم مقر «الجبهة الشعبية» في الوحدات، فقال له لا تفعل شيئاً. انتظر مني أن أجري اتصالاتي.
هل تتذكر كيف وأين خُطفت؟
- طبعاً، كنت أسكن بشقة في منطقة بجبل التاج، بعد ظهر يوم من الأيام، كنت أنوي الخروج ومعي أسرتي ومعنا شقيق زوجتي طبيب في الخدمات الطبية الملكية، عند مغادرتنا، وإذ بسيارات مسلحة أوقفتنا وأجبرتني على الدخول بسيارة «فولكس فاجن». فنظرت إلى شقيق زوجتي الذي كان يرتدي لباسه العسكري، وطلبت منه البقاء مع زوجتي والأولاد. فقالوا «لا. كمان تعال» فأخذوه معي وذهبنا إلى منطقة مخيم الوحدات، وبعدها بدأت السيارات المسلحة المرافقة تطلق النار بالهواء ابتهاجاً باعتقالي أو خطفي.
ما هي رتبتك حينها؟
- لا أذكر تماماً، كنت عقيداً أو عميداً في المخابرات. لكن كنت مساعداً لمدير المخابرات حينها.
كم استمر خطفك؟
- فقط ساعات، بعد أن وصلنا إلى الوحدات وإذ بنا ندخل مقر «الجبهة الشعبية».
تم استقبالنا هناك، ولم يضايقنا أحد. واستقبلنا رجل من «الجبهة الشعبية» كان في قمة التهذيب. جلسنا عنده بحدود الساعتين. وبعدها جاءت سيارة نقلتنا إلى منطقة في جبل عمّان إلى بيت أحد قيادات «الجبهة الشعبية»، لا أذكر اسمه. فقدم لنا ضيافة في منزله. واعتذر منا ثم طلب لنا مركبة توصلنا إلى بيتي في جبل التاج.
وصلت المنزل ووجدت أن جيراني الذين يسكنون بجانب بيتي المستأجر استقبلوا عائلتي وأقاموا عندهم. وذهبت عندهم وبقيت حتى صباح اليوم التالي.
في صباح ذلك اليوم جاءت مجموعة من منظمة «فتح» وطلبوا مني أن أرافقهم كما طلبوا من الجار الذي استقبلني وعائلتي أن يأتي معنا، وهو هاشم علي سالم، وقد كان يعمل في مجال «القاصات الحديدية».
وبعد أن وصلنا إلى مكان أو موقع مكتب منظمة «فتح»، جاء رجل منهم وقال: لا نريد شيئاً مع السلامة.
وتركونا نرحل سيراً على الأقدام دون أي إشارة إلى أسباب اعتقالنا أو خطفنا.
عُدتُ سيراً على الأقدام إلى البيت وبعدها بقليل جمعنا أغراضنا من المنزل أنا وعائلتي، وتم تأمين طريقة لإخراجنا من منطقة جبل التاج. وذلك من خلال اتصالات بين دائرة المخابرات والجيش والمقاومة، فجاءت سيارة وركبنا مع حرس من «الكفاح المسلح»، وتنقلت المركبة بين مناطق من عَمّان الشرقية، وقد واجهتنا نقاط تفتيش متعددة. لكن كنا نتجاوز تلك النقاط من خلال كلمة سر يقولها أحد حراس «الكفاح المسلح». وعندما وصلنا منطقة جبل الحسين ركبنا سيارة أخرى وأوصلونا إلى نقطة واعتذروا عن إكمالهم الطريق، وطلبوا منا المشي إلى أي مكان تريده بحكم أننا صرنا بأمان.
كنت أريد أن أصل إلى موقع دائرة المخابرات في موقعها القديم. لكن كان أمامنا منطقة تُشكل تقاطعاً حرجاً، وكان الجيش يطلق النار؛ حتى لا يتعدى أحد من الفدائين تلك النقطة العسكرية.
نزلنا من المركبة وكانت امرأتي حاملاً وقتها، ومعنا أولادنا، وبقينا نسير بحذر. وعندما اقتربت من موقع عملي في المخابرات طلبت من أسرتي البقاء حتى أذهب للدائرة وأعود لهم. جئت بمركبة من المخابرات وعدت لأسرتي ونقلتهم إلى بيت آخر استأجرته قريباً من مكان العمل وأنا عدت لعملي بعد تأمين عائلتي.
تتحدث اليوم بهدوء، لكن في تلك اللحظة وأنت بين «الجبهة الشعبية» و«فتح»، ما هي مشاعرك لحظتها؟
- الاستغراب سيطر عليّ تماماً.
هل هو شعور المستسلم، أم أنك فكرت بما يخبئ القدر؟
- تماماً الاستغراب يأخذك في أكثر من فكرة واتجاه.
إذن، لم يتم التحقيق معك خلال ساعات اختطافك؟
- نهائياً، ولا كلمة، شربنا شاياً فوق وشربنا شاياً تحت.
هل كان الغرض من العملية استفزازاً؟
- لا أعرف ما هو الغرضن أو ما هي الغاية من مثل تلك الاستفزازات، وماذا يريدون.
عندما رجعت إلى المخابرات ماذا فعلت، أو ما هي الاجراءات التي اتخذتها بعد الحادثة؟
- لا شيء؛ لأنه في تلك الأحداث كانت المخابرات مثلها مثل أي مؤسسة أمنية أو رسمية مهددة ومستهدفة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :