Arabnews24 | اخبار كندا

هل تضع حرب إيران نهاية لعقود من التحالف الخليجي-الأمريكي؟

الخميس 7 مايو 2026 03:52 صباحاً صدر الصورة، Getty Images

Article Information

على مدى عقود، كان يُنظر إلى المظلة الأمنية الأمريكية في الخليج على أنها أمر مسلم به ومفروغ منه، لكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران قد تؤدي إلى تغيير ذلك.

فخلال تلك الحرب، وما شكلته من تحديات دفاعية ناتجة عن هجمات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية على أنظمة الدفاع التي كانت تحاول منعها من استهداف المنشآت الحيوية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، لم تكن تلك البلدان تراقب مسارات الصواريخ فحسب، بل كانت تراقب أيضاً ردود فعل واشنطن، بعد أن وجدت نفسها مسرحاً لحرب تقول شخصيات خليجية إنها لم تُستَشر بشأنها.

فهل كشفت هذه الأزمة محدودية الترتيبات الأمنية بين واشنطن ودول الخليج؟ وهل ستؤدي إلى تقليل اعتماد العواصم الخليجية على القوة العسكرية الأمريكية أم تعززه؟

عقود من التعاون

جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي لديها شراكات أمنية مع واشنطن التي تصنف كلاً من السعودية وقطر والبحرين والكويت "حلفاء رئيسيين من خارج حلف الناتو، في حين تَعُد الإمارات "حليفاً دفاعياً رئيسياً".

وقد بدأ الاهتمام الأمريكي بمنطقة الخليج فعلياً في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إذ حلت الولايات المتحدة تدريجياً محل بريطانيا بوصفها القوة الخارجية الرئيسية هناك. وكان النظام الأمني الذي قادته واشنطن في الخليج مدفوعاً بسببين يتمثلان في الأهمية الجغرافية لمنطقة الخليج، واحتياطياتها النفطية الهائلة، وهدف استراتيجي يكمن في الرغبة في التصدي للنفوذ السوفيتي.

وحتى قبل عامين من انتهاء الحرب، تنبأ الرئيس الأمريكي آنذاك فرانكلين روزفلت بالأهمية التي سيكتسبها النفط ومنطقة الخليج لبلاده في المستقبل، معلناً في عام 1943 أن "الدفاع عن السعودية في غاية الأهمية للدفاع عن الولايات المتحدة"، وجاء ذلك في معرض تبريره لضرورة تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية للمملكة وتقوية العلاقات معها.

وفي عام 1945، التقى روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود على متن الطراد (السفينة الحربية) "يو إس إس كوينسي" في مياه البحيرة المرة الكبرى بقناة السويس في مصر. ورغم أن السجلات الرسمية لا تذكر أن النقاش الذي دار بينهما تطرق إلى النفط، عادة ما يوصف هذا اللقاء بأنه بداية "العلاقة الخاصة" بين البلدين.

يقول الدكتور جيفري إف. غرِش، الخبير في العلاقات الدولية ومؤلف كتاب "أمن الخليج والجيش الأمريكي: بقاء الأنظمة وسياسات القواعد العسكرية" (Gulf Security and the U.S. Military: Regime Survival and the Politics of Basing)، لبي بي سي نيوز عربي إن الولايات المتحدة كانت، مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، "تمتلك واحداً من أكثر نظم القواعد العسكرية والدعم اللوجيستي شمولاً واتساعاً في العالم"، مضيفاً أن الجيش الأمريكي في ذلك الوقت "عدّل خطابه وسياساته للتركيز على منطقة الخليج بوجه خاص. وبحلول عام 1949، وباستثناء قواعد النقل الجوي في ألمانيا، أصبحت قاعدة الظهران القاعدة الجوية الأمريكية الخارجية الأكثر نشاطاً، وكانت تُعد ضرورية للعمليات وجهود التنسيق الأمريكية على مستوى العالم في فترة ما بعد الحرب".

ويشير غرِش إلى أن الوعود الأمريكية بتقديم مساعدات عسكرية واقتصادية ساعدت في إبرام اتفاقيات حول القواعد العسكرية في ذلك الوقت، فضلاً عن أن الولايات المتحدة "كانت مستعدة للموافقة على طلبات السعودية الخاصة بالحصول على ذخيرة ومعدات عسكرية لأنها كانت تخشى إذا رفضت أن تلجأ المملكة إلى شراء معدات عسكرية من الاتحاد السوفيتي". وظلت المخاوف الأمنية الخارجية والإقليمية، بحسب غرِش، "عاملاً أساسياً وراء إتمام اتفاقيات تمديد الوجود العسكري الأمريكي في السعودية خلال العقد التالي للحرب"، رغم وجود معارضة داخلية للتحالف مع واشنطن "بسبب دعمها لدولة إسرائيل وما تلا ذلك من تقسيم لفلسطين".

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، عادة ما يوصف اللقاء بين الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس فرانكلين روزفلت بأنه بداية "العلاقة الخاصة" بين الرياض وواشنطن

كان هناك تعاون عسكري بين الولايات المتحدة وباقي البلدان الخليجية على نطاق صغير منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى ثمانينيات القرن الماضي، اتخذ صوراً متعددة مثل اتفاقيات التعاون الأمني أو التدريب العسكري أو استضافة قوات عسكرية أمريكية في قواعد محلية: على سبيل المثال اتفاقية عام 1971 التي أبرمتها واشنطن مع البحرين والتي سمحت لها باستخدام المنشآت البحرية البريطانية سابقاً لإقامة ميناء لها في الجفير.

وفي أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، انتهج الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون سياسة تجاه منطقة الخليج تقوم على اعتبار كل من إيران والسعودية "ركيزتين" للأمن والاستقرار الأمريكي وحماية مصالح الولايات المتحدة النفطية، التي أدركت واشنطن أهميتها للتفوق على الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة. وأدت سياسة "الركيزتين" (Twin Pillars Policy) إلى تسليح الولايات المتحدة للبلدين وتقديم تدريبات عسكرية لقواتهما.

وشهدت العلاقات الأمريكية-الخليجية توتراً خلال حرب عام 1973، عندما فرضت منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط "أوابك" حظراً على تصدير النفط للبلدان التي ساندت إسرائيل في الحرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة.

وفي عام 1979، أنهت الثورة الإسلامية في إيران سياسة "الركيزتين" بعد إطاحتها بحليف أمريكا الوثيق، الشاه محمد رضا بهلوي، وتلا ذلك الغزو السوفيتي لأفغانستان في العام ذاته. وقد أدى هذان التطوران إلى زيادة مخاوف واشنطن بشأن تمدد سوفيتي محتمل في الخليج، وشعورها بالحاجة إلى وجود بنية تحتية عسكرية متطورة تؤمّن مصالحها النفطية هناك. وأعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، جيمي كارتر، في عام 1980 أن "أي محاولة تقوم بها قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج..ستواجَه بكافة الوسائل اللازمة، بما في ذلك القوة العسكرية". ويرى كثير من المختصين في الشأن الأمريكي أن هذه السياسة استمرت في عهد الرئيسين رونالد ريغان وجورج بوش الأب.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، أطاحت الثورة الإيرانية عام 1979 بنظام الشاه محمد رضا بهلوي الذي كان حليفاً وثيقاً لواشنطن

أدى تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 خلال الحرب العراقية-الإيرانية إلى إنشاء إطار للأمن الجماعي يضم السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعمان. وبينما كان هدف المجلس تنسيق الجهود الدفاعية، إلا أن فاعليته ظلت محدودة، وأصبحت الضمانات الأمريكية الرادع الرئيسي في مواجهة التهديدات الإقليمية.

شهدت الثمانينات توترات بين العراق من جهة ودول الخليج من جهة أخرى بلغت أوجها مع غزو العراق للكويت عام 1990.

وشكّل عاما 1990 و1991 ذروة تحول السياسة الأمريكية إلى مبدأ كارتر، خلال حرب الخليج، إذ نفذت قوات تحالف دولي تزعمته الولايات المتحدة وقالت إن هدفه حماية السعودية وتحرير الكويت عمليتي "درع الصحراء" و"عاصفة الصحراء". كان ذلك بداية لوجود عسكري أمريكي ضخم في بلدان مجلس التعاون استمر خلال التسعينيات لفرض منطقة حظر طيران فوق العراق، وعُدّ تأكيداً لقدرة الولايات المتحدة على حماية دول الخليج وتعزيزاً لدورها كضامن لا غنى عنه للأمن الإقليمي.

يقول الدكتور سلطان العامر الزميل الأول في مجلس سياسات الشرق الأوسط في واشنطن لبي بي سي نيوز عربي إن الترتيبات الأمنية في الخليج في الثمانينيات لم تكن كافية لمنع غزو بري على غرار غزو العراق للكويت، "وبالتالي الارتباط بمظلة حماية أمريكية، وتعاون عسكري مع أمريكا، ووجود قواعد عسكرية لها في المنطقة يضمن لهذه الدول أن تكون محمية من أي غزو بري أو تهديد عسكري آخر".

وكان غزو العراق عام 2003 والإطاحة بالرئيس صدام حسين بمثابة علامة فارقة أخرى في دور الولايات المتحدة في الخليج، إذ تحولت من كونها قوة لضمان الأمن وتحقيق التوازن إلى قوة احتلال.

واصلت بلدان الخليج اعتمادها على واشنطن كضامن رئيسي لأمنها، وكثفت واشنطن وجودها في المنطقة، معززة قواعدها في البحرين وقطر والكويت والإمارات. في الوقت ذاته، أدت الإطاحة بصدام حسين إلى إزالة الخصم الرئيسي لإيران، ما مكنها من توسيع نفوذها في المنطقة وأثار قلق بلدان مجلس التعاون.

في العام ذاته، أعلنت الولايات المتحدة سحب طائراتها وغالبية جنودها من قاعدة الأمير سلطان بالسعودية، ونقلت مركز عملياتها الجوية في الخليج إلى قاعدة العُدَيد بقطر، فيما رآه المراقبون آنذاك خطوة تهدف إلى تخفيف الضغوط الداخلية التي كانت تواجهها المملكة بسبب وجود معارضة للوجود الأمريكي، لكن ذلك لم يؤثر في التعاون العملياتي بين البلدين.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، جنود مارينز أمريكيون يبنون تحصينات عسكرية في قاعدة الجابر الجوية في الكويت قبيل غزو العراق عام 2003

وأبرم الأمريكيون العديد من الاتفاقيات العسكرية والدفاعية والاقتصادية مع بلدان مجلس التعاون شملت تزويدها بمنظومات أسلحة متطورة، فضلاً عن برامج التدريب. على سبيل المثال، قدمت الرياض الولايات المتحدة العام الماضي تعهدات بالاستثمار معها قدرت في البداية بنحو 600 مليار دولار ثم أعلن البيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي توسيع نطاقها لتزداد قيمتها إلى تريليون دولار، بما في ذلك صفقة مبيعات أسلحة قيمتها 142 مليار دولار وصفت بأنها الأضخم في التاريخ.

لكن الأعوام القليلة الماضية شهدت جهوداً محدودة من قبل بلدان الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، لتنويع شراكاتها وعلاقاتها مع قوى دولية أخرى مثل الصين وأوروبا، على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي بالأساس، وبشكل أقل في مجال التقنيات العسكرية والأمنية.

تزامن ذلك مع بعض الأحداث التي طرحت تساؤلات في بلدان خليجية بشأن ما إذا كانت تستطيع مواصلة اعتمادها على واشنطن.

على سبيل المثال، كان هناك شعور بالإحباط مما عُدّ رد فعل محدوداً لهجمات الحوثيين المتحالفين مع إيران على منشآت النفط السعودية في عام 2019. يقول الدكتور سلطان العامر إن واشنطن "قررت بدلاً من أن تضرب إيران أن ترسل بعض الدفاعات الجوية إلى السعودية .. هذه الحادثة جعلت من الواضح للمملكة أن الالتزام الأمريكي بحماية المنشآت النفطية أو بحماية الخليج من ضربات إيران ليس موثوقاً به ولا قوياً، وهذا أدى إلى أن بدأت المملكة في تبني سياسة إقليمية انتهت بالتصالح مع إيران في بكين وتنسيق علاقاتها الإقليمية وتنويع التحالفات بالإضافة إلى التحالف مع الولايات المتحدة".

كما شعرت الإمارات بالإحباط بعد اكتفاء الولايات المتحدة بالإدانة إثر الهجمات الحوثية على مطار أبو ظبي في عام 2022. وأدت الهجمات التي تعرضت لها قطر من إيران ثم إسرائيل في عام 2025 إلى إذكاء النقاش حول جدوى الاستثمار في علاقة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة.

غضب وإحباط في الأوساط الخليجية

قبل ساعات من بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية مع إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، صرح وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، الذي توسطت بلاده في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بأن المحادثات أحرزت "تقدماً كبيراً وغير مسبوق"، وأن التوصل إلى اتفاق بات "في متناول اليد".

وجدت بلدان مجلس التعاون نفسها عالقة في الحرب، وانهارت العلاقات مع إيران بعد أن بذلت تلك الدول كثيراً من الجهد خلال الأعوام الماضية لإصلاحها، وتمكنت بالفعل من تحقيق انفراجة كبيرة تُوجت بعودة العلاقات الدبلوماسية بين طهران وغالبية بلدان مجلس التعاون. وتضررت الاقتصادات الخليجية تضررا بالغا جراء الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة وغيرها من المنشآت الحيوية، وأصبح موقع بلدان كالسعودية والإمارات وقطر كمراكز إقليمية رئيسية لقطاعات مثل السياحة والطيران والاستثمار ومراكز المعلومات في خطر.

البوسعيدي اتهم واشنطن في مقال نشره في مجلة الإيكونوميست البريطانية في 18 مارس/آذار الماضي بأنها "فقدت السيطرة على سياستها الخارجية"، ووصف الحرب بأنها "كارثة".

ورأى عدد من المراقبين العرب والغربيين المنشورات التي كتبها الملياردير الإماراتي، خلف الحبتور، في التاسع من مارس/آذار على موقع إكس وحذفها لاحقاً انعكاساً لما وصفوه بغضب النخبة الخليجية تجاه الولايات المتحدة، وكذلك قلقها من تداعيات الحرب. المنشورات جاءت رداً على تصريحات للسيناتور الجمهوري البارز ليندزي غراهام، طالب فيها بلدان الخليج بالدخول في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، وهدد بإعادة النظر في اتفاقيات الدفاع مع تلك الدول إذا رفضت المشاركة.

من بين ما جاء في تلك المنشورات: "نعرف تماماً لماذا نتعرض للضرب ونعرف أيضاً من أدخل المنطقة كلها في هذا التصعيد الخطير دون أن يستشير من يسميهم حلفاءه...لسنا بحاجة إلى من يدّعي أنه جاء إلى الشرق الأوسط لينقذنا...لا ننكر الخطر الإيراني على المنطقة...لكن هذه لعبة قذرة تتصارع فيها قوى عدة على حساب منطقتنا...لن ندخل هذه الحرب لنخدم مصالح الآخرين".

الأكاديمي القطري، نايف بن نهار، انتقد تعامل الرئيس ترامب مع الصراع، إذ قال في تدوينة على موقع إكس في 23 مارس/آذار الماضي: "اليوم أجّل ترامب ضرب الطاقة في إيران خوفاً على حركة أسعار السوق الأمريكية، لكنه يرى مجتمعات الخليج منذ أكثر من عشرين يوماً وهي تحت الصواريخ الإيرانية واقتصادات الخليج تتضرر بعشرات المليارات ولم يجعله ذلك يغير شيئاً من قراراته.."

أهمل X مشاركة
هل تسمح بعرض المحتوى من X؟

تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع X. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع X وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"

Accept and continue
تحذير: بي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

نهاية X مشاركة

كان الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات السعودية، الأمير تركي الفيصل، قد قال في لقاء مع شبكة سي إن إن خلال الأيام الأولى للحرب إن "هذه حرب نتنياهو .. ومن الواضح أنه أقنع الرئيس (ترامب) بطريقة ما بدعم وجهة نظره".

هناك شعور في بلدان الخليج منذ بداية الحرب بأن الدعم الأمريكي لم يكن متناسباً مع التهديد الذي تعرضت له. ويرى الدكتور العامر أن المشاعر السائدة حالياً بين الخليجيين "تتأرجح بين الخشية من تخلي الولايات المتحدة عنهم في صفقة مع إيران لا تراعي مصالحهم وبين الخشية من مزيد من القرارات التي تعرضهم لمزيد من الهجمات في حرب لم تؤخذ مصالحهم بعين الاعتبار عند اتخاذ قرار الدخول فيها".

وربما ما فاقم من شعور البلدان الخليجية بالإحباط هجمات المسيّرات والصواريخ الإيرانية منخفضة التكلفة نسبياً على منشآت بنيتها التحتية الحيوية، مثل محطات تحلية المياه ومرافق النفط والموانئ، تلك الهجمات التي تمكن من تجاوز أنظمة الدفاع التقليدية باهظة التكاليف وإلحاق أضرار كبيرة بها، ما أدى بدوره إلى شعورها بالانكشاف، وأبرز مواطن الضعف في ترتيباتها الأمنية.

تنويع الشراكات واستراتيجية التحوط

شرعت بلدان الخليج في الأعوام الأخيرة في تنويع شراكاتها الاقتصادية والتكنولوجية لتشمل بلداناً مثل الصين والهند وروسيا وفرنسا وألمانيا، وامتد هذا الاتجاه بدرجة محدودة صوب المجال الأمني والدفاعي.

وخلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة مع إيران، أبرمت كل من السعودية والإمارات وقطر اتفاقيات مع أوكرانيا خلال جولة رئيسها فولوديمير زيلنسكي في الخليج نهاية مارس/آذار الماضي تزود كييف بموجبها تلك البلدان بمسيّرات حربية وتقنيات للحرب الإلكترونية واعتراض المسيّرات. كان زيلنسكي قد أعلن في وقت سابق أن بلاده تساعد خمس دول هي الإمارات والسعودية وقطر والكويت والأردن في التصدي للمسيّرات الإيرانية.

وذكر موقع أكسيوس الإخباري مؤخراً، نقلاً عن مسؤولَين إسرائيلييَن ومسؤول أمريكي، أن إسرائيل زودت الإمارات بنظام دفاع جوي على طراز "القبة الحديدية"، وكذلك جنوداً لتشغيله، في بدايات الحرب.

فهل سيدفع الصراع الحالي دول الخليج إلى إعادة النظر في الضمانات الأمنية الأمريكية، أم سيعزز اعتمادها عليه؟

"أظن أن الصراع من المرجح أن يفضي إلى اعتماد على الولايات المتحدة أكثر صرامة ووفق المزيد من الشروط، وليس إلى تباعد صريح عن واشنطن"، هكذا يقول الدكتور أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك بكلية الدراسات الأمنية بجامعة كينغز كولدج لندن، مضيفا: "البلدان الخليجية لا تسير باتجاه طلاق استراتيجي، بل نحو نسخة أكثر حذراً ونفعية من العلاقة ذاتها. التقييمات داخل السعودية حالياً تضع الدرس المستفاد من الحرب في إطار الحاجة إلى استقلالية استراتيجية ضمن اعتماد متواصل على الولايات المتحدة: زيادة المخزونات، وزيادة الاستدامة المحلية، وتعزيز الصناعة الدفاعية الوطنية ومنظومات الدفاع الجوية متعددة الطبقات، وكذلك زيادة التنسيق بين المؤسسات الخليجية ولكن ضمن مظلة أمريكية...لهذا أرى أن الحرب ستقوي اعتماد الدول الخليجية على الولايات المتحدة على المدى القصير، لكنها في الوقت ذاته ستضعف الثقة فيها".

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، أبرم زيلنسكي صفقات عسكرية مع السعودية والإمارات وقطر، التي يظهر في الصورة أثناء لقائه أميرها الشيخ تميم آل ثاني، خلال جولته الخليجية الشهر الماضي

ويرى الدكتور العامر أن بلدان الخليج ستمضي قدماً في تنويع شراكاتها العسكرية: "المسار في تخيلي ليس مساراً استبدالياً – إما أمريكا أو دولة أخرى، وإنما الإبقاء على هذه الشراكة مع تطعيمها وتنويع المنظومة الأمنية من مصادر أخرى".

من بين الأسباب التي ترجح عدم حدوث "طلاق" بين الطرفين أن الهجمات الإيرانية زادت قناعة بعض دول الخليج بالحاجة إلى مظلة الحماية الأمريكية. يقول الدكتور غرِش إن "غالبية [بلدان مجلس التعاون] ترى في الوجود العسكري الأمريكي رادعاً مهماً لإيران، حتى في الأزمة الحالية، ومن ثم يُبرّر وجود قواعد عسكرية أمريكية في دول كالبحرين وقطر". كان أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي السابق ومستشار الرئيس للشؤون الدبلوماسية، قد قال في حوار مع وكالة بلومبرغ الإخبارية في 17 مارس/آذار الماضي إن مهاجمة إيران لدول الخليج "دفعتها إلى التقارب مع إسرائيل والولايات المتحدة".

سبب آخر هو غياب بدائل واقعية للولايات المتحدة.

يرى الدكتور كريغ أن الصين وروسيا، على سبيل المثال، "لهما أهمية من الناحية السياسية، لكنهما ليستا بديلين عندما تحتاج العواصم الخليجية إلى دفاع جوي فوري، وتكامل استخباراتي ومصداقية ردع مستدامة...جهود التنويع قائمة بالفعل، لكنها محدودة بالقدرات والجغرافيا و الوقت".

ويقول الدكتور العامر إن منظومة الدفاع الجوي التي اشترتها دول الخليج من الولايات المتحدة وفعّلتها لحمايتها من الصواريخ القادمة من إيران "أثبتت معدل اعتراض بنسبة تتجاوز 90 في المئة..أظن هذا سيستمر"، مشيراً إلى أن تلك الدول قد تضيف إلى هذه المنظومة "منظومة أقل تكلفة وأكثر فاعلية وقدرة على الاستبدال، مثل الأسلحة الأوكرانية وغيرها، لصد مثل هذه التهديدات القادمة. أما بالنسبة للعمل العسكري المشترك ومنظومة القواعد، فاستبدالها أو تغييرها...يتطلب وقتاً طويلاً جداً لأن هذه بنية موجودة منذ 30 إلى 40 سنة وأُنفق عليها الكثير من الموارد، والتقنية القادمة من الولايات المتحدة لا يوجد لها حتى الآن منافس".

تجدر الإشارة إلى أن البلدان الخليجية ليست موحدة في مواقفها وتوجهاتها فيما يتعلق بمستقبل علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة. كما أن "بعضها لديه خيارات غير أمريكا، والبعض الآخر ليس لديه"، وفق الدكتور العامر، الذي يضيف: "لن يكون غريباً أن نرى الإمارات تقوي من علاقاتها الأمنية بإسرائيل و أن تزيد السعودية من توطيد علاقاتها الإقليمية مع تركيا وباكستان".

ما أظهرته الأزمة الأخيرة هو اتساع الهوة بين التوقعات والواقع، ومواطن ضعف التحالف الأمريكي الخليجي – أو على الأقل محدوديته. والتحدي الذي تواجهه الدول الخليجية في الوقت الراهن هو كيفية إدارة اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية، ومدى قدرتها على التحوط وتنويع رهاناتها.

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :