الثلاثاء 21 أبريل 2026 09:28 مساءً صدر الصورة، Getty Images
عند دخولك إلى غالبية مراكز التسوق في سنغافورة، يُرجح أن تجد طوابير طويلة تمتد أمام متاجر تحمل أسماءً جذابة وعلامات تجارية بألوان زاهية. إذ تجذب العلامات التجارية الصينية مثل تشاجي، ومولي تي، وميكسو، حشوداً غفيرة، ليس فقط في آسيا، بل وبشكل متزايد في مدن تمتد من سيدني إلى لندن ولوس أنجلوس.
وإلى جانب العلامات التجارية للأزياء ومتاجر الألعاب وشركات الملابس الرياضية العملاقة، تشهد سلاسل الشاي هذه موجة جديدة، حيث تنتقل الشركات الصينية من التصنيع منخفض التكلفة إلى العلامات التجارية الاستهلاكية المعروفة عالمياً.
وتتمتع هذه الشركات بالفعل، بفضل موقعها في ثاني أكبر سوق استهلاكية في العالم، بحجم أعمال وقوة تشغيلية هائلة. لكن المنافسة تشتد في السوق المحلية، مما جعل التوسع في الخارج ضرورة ملحة. وفي الوقت نفسه، تدخل هذه الشركات لأسواق لا يزال يُنظر فيها إلى عبارة "صُنع في الصين" على أنها سلع رخيصة ومنخفضة الجودة في الغالب.
ويُشير تيم باركنسون، من شركة ستوريتيلرز تشاينا الاستشارية، إلى أن "الصين تجاوزت مرحلة اقتصاد التقليد، فمنتجاتها الآن تلبي تطلعات جيل جديد من المستهلكين العالميين ذوي المتطلبات العالية".
مصنع العالم
لطالما كانت الصين ورشة العمل العالمية، حيث تنتج السلع لشركات غربية. وخلال هذه العملية، لم يكتسب الموردون خبرة في تصنيع السلع فحسب، بل تعلموا أيضاً كيفية تسويقها وتوزيعها وبيعها على نطاق واسع.
واستفادت شركات مثل، مينيسو، من هذه الخبرة.
تدير هذه الشركة، التي تبيع ألعاباً ومنتجات أفلام من ديزني ومارفل ووارنر بروس، متاجر في أكثر من نصف دول العالم.
يقول فينسنت هوانغ، المدير العام للأسواق الخارجية في مينيسو: "لا يهتم المستهلكون كثيراً بمصدر العلامة التجارية، فهم يركزون أكثر على تجربة التسوق - التصاميم، والقيمة مقابل المال، والمتعة".
وتُعدّ اتفاقيات الترخيص وسرعة وصول المنتجات من المصنع إلى رفوف المتاجر عنصرين أساسيين في نموذج أعمالها.
صدر الصورة، Getty Images
وإلى جانب السلع الاستهلاكية، تفوقت شركة، بي واي دي، على تسلا لتصبح أكبر مصنّع للسيارات الكهربائية في العالم. حيث استفادت الشركة من رهانها المبكر على التكنولوجيا المناسبة في سباق السيارات الكهربائية، بالإضافة إلى السوق الصينية المحلية الضخمة التي ساعدتها على التوسع وتحسين كفاءة التكاليف.
تتوسع الشركة الآن لتشمل مجالات أخرى غير السيارات، إذ تعمل على تطوير أنظمة شحن فائقة السرعة تُضيف مئات الكيلومترات إلى مدى سياراتها في دقائق، وذلك في إطار جهودها لبناء منظومة متكاملة حول سياراتها.
ساهم الدعم الحكومي في تسريع نمو قطاع السيارات الكهربائية في الصين، من خلال الإعانات والحوافز التي عززت الطلب. إلا أن هذا الدعم أثار انتقادات من أوروبا والولايات المتحدة، حيث يرى مسؤولون أن هذا الدعم يمنح الشركات الصينية ميزة غير عادلة. ترفض بكين هذا الرأي، مؤكدةً أن النمو يعكس ابتكار الصين وقوتها الصناعية.
تُعدّ شركة أنتا مثالاً آخر، فهي تدير الآن نحو 13 ألف متجر حول العالم، وأصبحت ثالث أكبر علامة تجارية للملابس الرياضية في العالم بعد نايكي وأديداس.
يشار إلى أنها اقتحمت أولاً السوق المحلية الصينية الضخمة، بينما وسعت نطاق أعمالها من خلال عمليات الاستحواذ العالمية على علامات تجارية دولية راسخة مثل سالومون وويلسون، ومؤخراً على حصة تبلغ 29 في المئة في بوما.
جنوب شرق آسيا كمنصة انطلاق
اتخذت العديد من الشركات الصينية من جنوب شرق آسيا ساحة للتجربة، قبل دخول الأسواق الغربية.
وبفضل وجود أكثر من 650 مليون مستهلك شاب وذوي الدخل المتنامي، توفر المنطقة نطاقاً واسعاً وتنوعاً كبيراً، في حين تحافظ المنافسة مع العلامات التجارية الغربية الراسخة على معايير عالية.
افتتحت سلسلة مطاعم هايديلاو أول فرع لها خارج الصين في سنغافورة عام 2012. وهي حالياً أكبر سلسلة مطاعم متخصصة في طبق الهوت بوت في العالم، وتضم 1300 مطعم في 14 دولة.
يقول تشو تشاوتشنغ، نائب رئيس مجلس إدارة هايديلاو العالمية إن "قصة نجاح هايديلاو ليست مجرد قصة مطعم، بل هي انعكاس لثلاثين عاماً من التحول الاقتصادي والعولمة في الصين".
ويضيف تشو أن الانتشار العالمي للسلسلة يعتمد على علامة تجارية قوية، وبيئة عمل متكاملة، وقاعدة عملاء مخلصين. ويشير إلى أن كل سوق خارجية معقدة، وتتأثر بثقافات وأنظمة قانونية وعادات استهلاكية مختلفة، لذا فإن تكييف الطعام وقوائم الطعام والخدمة مع السوق المحلية أمر ضروري.
وتسعى السلسلة الآن للحصول على شهادة الحلال في إندونيسيا وماليزيا، وهي خطوة من شأنها أن تفتح أسواقاً ذات أغلبية مسلمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
وتشهد علامات تجارية أخرى نمواً سريعاً أيضاً. فمتجر، ميكسو، للآيس كريم وشاي الفقاعات "Bubble tea"، يدير فروعاً عالمية أكثر من ماكدونالدز أو ستاربكس، بينما توسعت، مولي تي، دولياً في غضون سنوات قليلة من تأسيسها.
وتخطط أكثر من 70 في المئة من الشركات الصينية العاملة في جنوب شرق آسيا لمزيد من التوسع، بحسب شركة أبحاث السوق (يورومونيتور إنترناشونال).
وتضم المنطقة كذلك بعضاً من أسرع أسواق الهواتف الذكية نمواً، وتساهم وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كبير في زيادة شعبية هذه المنتجات.
على سبيل المثال، أصبحت مجسمات لابوبو، من بوب مارت، ظاهرة عالمية بأقل قدر من الإعلانات التقليدية.
وفي الولايات المتحدة، نمت مبيعات، بوب مارت، بنسبة 900 في المئة منذ عام 2024. وعلى الرغم من انخفاض أسهم الشركة بشكل حاد في الأشهر الأخيرة بسبب المخاوف بشأن قدرتها على مواصلة النمو، إلا أنها لا تزال تفوق قيمتها السوقية مجتمعة قيمة عملاقي صناعة الألعاب الأمريكيين (هاسبرو، وماتيل)، والشركة اليابانية (سانريو) المالكة لعلامة (هالو كيتي).
حروب الأسعار
في الصين، أصبح هذا التوسع الخارجي، المعروف باسم "تشوهَاي - chuhai"، وهو مصطلح يُترجم تقريبا إلى "الإبحار إلى الخارج"، مدفوعاً بشكل متزايد بضغوط داخلية. إذ أدّى تباطؤ الاقتصاد، وشدة المنافسة، وتراجع معدل المواليد إلى تغيير أنماط الإنفاق والضغط على النمو، ما دفع الشركات إلى التوسع خارج البلاد.
حتى العلامات التجارية الأجنبية بدأت تشعر بهذا التحول، حيث انخفضت حصة ستاربكس في السوق الصينية إلى النصف أكثر من مرة منذ عام 2019. أما سلسلة (لوكين كوفي) المحلية، فلديها حالياً ما يقارب أربعة أضعاف عدد المتاجر داخل البلاد مقارنة بمنافستها الأمريكية. ويعتمد نموذج (لوكين) على الهاتف المحمول أولاً، مما يبقي التكاليف منخفضة والخدمة سريعة.
وأعلنت ستاربكس في نوفمبر/تشرين الثاني، عن صفقة لبيع حصة أغلبية في عملياتها الصينية لشركة (بويو كابيتال) التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها.
ورغم فضيحة محاسبية كبرى في عام 2020 أدت إلى شطبها من بورصة ناسداك، واصلت (لوكين) توسعها داخل الصين وخارجها، بما في ذلك سنغافورة وماليزيا ونيويورك، وتشير تقارير إلى أنها تُخطط للعودة لسوق الأسهم الأمريكية.
صدر الصورة، Getty Images
التحدي الذي يواجه القوة الناعمة الصينية
يقول محللون إن التصورات حول الشركات الصينية تتغير أيضاً. فبعد أن كان مصطلح "صُنع في الصين" يُشير إلى منتجات رخيصة، بات يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها مبتكرة وذات تصميم مميز.
وتقول خبيرة التسويق فو سيو تينغ: "تجمع علامات تجارية مثل (بي واي دي - BYD) بين الجودة العالية والقصص المؤثرة والتكيف مع السوق المحلية".
ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة. فالرسوم الجمركية والتدقيق السياسي والمخاوف بشأن أمن البيانات تُعقّد التوسع، كما رأينا في حالات مثل هواوي وتيك توك.
كما لا تزال هناك تساؤلات حول قدرة العلامات التجارية سريعة النمو مثل شي إن وتيمو على الحفاظ على زخمها في الأسواق الغربية.
ومع ذلك، فإن الاتجاه واضح، إذ لم تعد الشركات الصينية تُعرَّف بالأسعار المنخفضة، بل تُبدع وتواكب توجهات المستهلكين. إنها تبني علامات تجارية، وتتكيف مع الأسواق المحلية، وتنافس بقوة، بل وتتفوق أحياناً، على الشركات العالمية الراسخة.
ساهم في إعداد التقرير جالتسون أكانات تشومار
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :