الاثنين 13 أبريل 2026 12:04 مساءً صدر الصورة، Getty Images
وسط هتافات "ريا ريا هنغاريا!" شقّ بيتر ماغيار طريقه ببطء بين الحشود، مساء الأحد، باتجاه المنصة، محاطاً بزملائه في الحزب، معلناً انتهاء ستة عشر عاماً من حكم فيكتور أوربان.
قال الرجل الأربعيني، الذي فاز للتو بالانتخابات البرلمانية في المجر: "لقد قمتم بمعجزة اليوم، صنعت المجر التاريخ اليوم".
وبفوزه، انهار نظام حكم وُصف بأنه "استبداد انتخابي" في تاريخ البلاد، إذ تشير النتائج الأولية للانتخابات، استناداً إلى أكثر من 98% من الأصوات المُفرزة، إلى أن حزب "تيسا" الذي يتزعمه ماغيار في طريقه للفوز بـ138 مقعداً، بينما حصل حزب "فيدس" بزعامة أوربان على 55 مقعداً، وحزب "وطننا" اليميني المتطرف على ستة مقاعد.
وقال بيتر ماغيار لحشدٍ من أنصاره المُهللين على ضفاف نهر الدانوب، مُطلاً على مبنى البرلمان المهيب في بودابست: "لقد فعلناها! معاً أسقطنا النظام المجري".
بدأت الاحتفالات رسمياً، وفتحت زجاجات الشمبانيا. أطلقت السيارات أبواقها في شوارع بودابست، ولوّحت النساء بالأعلام المجرية من خلال فتحات نوافذ السيارات.
صدر الصورة، Getty Images
لن يُمكّن هذا الفوز الساحق ماغيار من قلب سياسات أوربان الداخلية فحسب، بل سيُعيد أيضاً تشكيل علاقات المجر الدولية.
فقد كان أوربان حليفاً وثيقاً لكل من الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وأصبح شوكة في خاصرة الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا. فدفاعه عن استيراد النفط والبنزين الروسيين الرخيصين جعله زعيماً لا يحظى بشعبية في الاتحاد الأوروبي، الذي سعى جاهداً للتخلص من اعتماده على الواردات الروسية. كما أخلّ أوربان باتفاقٍ مع الاتحاد الأوروبي لتقديم قرضٍ لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو (105 مليارات دولار).
علاقات أكثر ودية مع الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا
في المقابل، تبنى ماغيار برنامجاً يدعو إلى إبعاد المجر عن روسيا لصالح علاقات أكثر ودية مع الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا. وتعهد زعيم "تيسا" بأن تكون أول رحلةٍ خارجية له كرئيسٍ للوزراء إلى وارسو - لتعزيز صداقة المجر مع بولندا التي تمتد لألف عام. كما وعد بالسفر إلى بروكسل، حيث يهدف إلى إقناع المفوضية الأوروبية بالإفراج عما يصل إلى 17 مليار يورو من الأموال المجمدة بسبب الإخفاقات في مكافحة الفساد والحفاظ على استقلال القضاء.
وعلى مدى عامين، بنى ماغيار قاعدة دعم قوية من خلال جولاته في أنحاء البلاد، حتى في البلدات والقرى الصغيرة التي يهيمن عليها حزب "فيدس" تقليدياً، وجاب المجر طولاً وعرضاً في حملة انتخابية ماراثونية، حيث ألقى ما يصل إلى سبعة خطابات يومياً.
وفي العام الماضي، قطع مسافة 300 كيلومتر سيراً على الأقدام من بودابست إلى الحدود الرومانية في حملة "لإعادة توحيد" الأمة، سعياً منه لكسب أصوات ناخبي فيدس الأصليين إلى جانبه.
صدر الصورة، Getty Images
ووعد ماغيار بإلغاء التغييرات التي أدخلها أوربان على قطاعي التعليم والصحة، ومكافحة الفساد، واستعادة استقلال القضاء، والقضاء على نظام المحسوبية المكروه المعروف باسم "المجلس الوطني للبحوث الاقتصادية" (NER)، والذي أسهم في إثراء الموالين للحزب وتبديد موارد الدولة.
ولإجراء هذه التعديلات الدستورية، كان بحاجة إلى أغلبية الثلثين، أي 133 مقعداً من أصل 199 في البرلمان المجري. ورغم أن النتائج النهائية لم تُعلن بعد، فإن تيسا في طريقه للحصول على 138 مقعداً.
"الأيام المقبلة هي أيامٌ لشفاء جراحنا"
صدر الصورة، AFP via Getty Images
وبينما كان أنصار ماغيار ينتظرون بترقب في الساحة على ضفة نهر الدانوب في بودا، نشر زعيم حزب "تيسا" رسالةً غير مألوفة على فيسبوك: "اتصل بي فيكتور أوربان للتو وهنأنا على فوزنا". وبعد لحظات، ظهر أوربان نفسه على منصة في مركز مؤتمرات على بُعد ميل واحد باتجاه مجرى النهر على الضفة الأخرى من نهر الدانوب، محاطاً بزملائه في حزب "فيدس" الذين بدت عليهم علامات الحزن.
وقال لهم: "نتيجة الانتخابات واضحة ومؤلمة"، شاكراً ما يُقدّر بنحو 2.5 مليون مجري ممن وقفوا إلى جانبه. "الأيام المقبلة هي أيامٌ لشفاء جراحنا".
كثير ممن دعموا ماغيار ليسوا من مؤيديه التقليديين. فقد دعموا أوربان لسنوات، والآن أطاحوا به.
قالت المحامية أنييس لبي بي سي: "إنه (ماغيار) شخص لا يمكن الوثوق به تماماً، لكننا وصلنا إلى مرحلة نحتاج فيها إلى التفاؤل بتحسن، وهو ما يعدنا به، ونأمل حقًا أن تتحقق وعوده".
وقال ماغيار، بعد أن بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات رقمًا قياسيًا بلغ 79.5%: "لم يسبق في تاريخ المجر الديمقراطية أن أدلى هذا العدد الكبير من الناس بأصواتهم - ولم يحصل أي حزب على مثل هذه الشعبية الجارفة".
لم يستقل أوربان، البالغ من العمر 62 عاماً، من زعامة الحزب، ومن الصعب تخيل مصير حزب "فيدس" بدونه. في الوقت الراهن، سيستمر في قيادة المجر بصفة مؤقتة، بينما يحاول هو وحزبه تجاوز آثار الهزيمة.
ماذا نعرف عن بيتر ماغيار؟
صدر الصورة، Akos Stiller / Bloomberg via Getty Images
ولد بيتر ماغيار لأبوين محاميين، والدته قاضية رفيعة المستوى، وكان مهتماً بالسياسة منذ صغره.
تلقى ماغيار تعليمه في مدرسة ثانوية كاثوليكية مرموقة للبنين قرب مركز بودابست، قبل أن يدرس القانون في جامعة كاثوليكية في بودابست، وذلك خلال فترة ولاية أوربان الأولى كرئيس للوزراء من عام 1998 إلى 2002.
انضم ماغيار إلى الحزب بعد هزيمة أوربان في الانتخابات، وكانت زوجته، جوديت فارغا، مُهيأة للنجاح في حزب "فيدس"، إذ أصبحت وزيرة للعدل عام 2019، بعد تسع سنوات من عودة أوربان إلى السلطة. وانفصل الزوجان في 2023.
شغل ماغيار نفسه منصباً دبلوماسياً في البعثة الدائمة للمجر في بروكسل، ثم ترأس فريق أوربان العامل مع البرلمان الأوروبي. بعد ذلك، شغل عضوية مجالس إدارة شركات مملوكة للدولة.
لفترة من الزمن، انتاب ماغيار قلقٌ بشأن ما إذا كان قد ارتكب خطأً: "لديّ ثلاثة أطفال، أحبهم كثيرًا، وكنتُ قلقًا للغاية على مستقبلهم أيضًا".
وبدأ بانتقاد سياسات حزبه، وقال لمراسل بي بي سي في بودابست، نيك ثورب: "لطالما أخبرني السياسيون بضرورة التمسك بالسلطة، وقد قبلتُ ذلك لفترة. لكن بالطبع، كانت نقطة التحول في عام 2024".
صدر الصورة، Getty Images
تولى ماغيار قيادة حزب "تيسا" الذي تراجع نشاطه، وفاز بنسبة 29.6% من الأصوات وسبعة مقاعد في البرلمان الأوروبي. وكان الحزب متأخراً بفارق كبير عن حزب "فيدس" الحاكم بزعامة أوربان الذي حصل على 44.8% من الأصوات، لكن ماغيار كان قد وجّه رسالة قوية للبلاد التي يبلغ عدد سكانها 9.6 مليون شخص.
وبحلول خريف عام 2024، كان حزب ماغيار الجديد متقدماً على حزب "فيدس" في استطلاعات الرأي، وهاجم بشدة علاقات أوربان الوثيقة مع روسيا، حيث قاد الحزبان مسيرات متنافسة لإحياء ذكرى انتفاضة المجر عام 1956 ضد الاتحاد السوفيتي.
ماغيار ليس ليبرالياً. فقد سخر علناً من المعارضة الليبرالية التي حاولت مواجهة أوربان في الماضي، إلا أن جهود المعارضة لم تسفر إلا عن تمكين الأخير من الفوز.
يرى البعض أن بيتر ماغيار هزم أوربان لأنه كان يحمل العلم المجري في كل تجمع، ولأنه نادى برسالة وطنية جامعة تتجنب الإقصاء، في وقت يتوق فيه الشعب إلى السلام والهدوء.
هذا ما يعد به ماغيار. قال للحشود الغفيرة التي كانت ترقص على ضفاف نهر الدانوب: "الليلة نحتفل. لكن غداً نبدأ العمل."
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :