السبت 4 أبريل 2026 07:52 صباحاً صدر الصورة، AFP via Getty Images
تترقب العائلات والقطاعات الصناعية في جميع أنحاء أوروبا، بقلق بالغ، ارتفاع أسعار الغاز وتكاليف تعبئة السيارات بالبنزين.
بينما دعت الحكومة البريطانية مواطنيها إلى التزام الهدوء ومواصلة حياتهم، دعت المفوضية الأوروبية- الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي- الناس إلى العمل من المنزل (عن بُعد) بشكل أكبر وتقليل السفر قدر المستطاع.
ويحذر صناع السياسات من أن الأمور قد تسوء أكثر بكثير، وفقاً لما سيحدث لاحقاً في الشرق الأوسط. ومع ذلك، يبدو وكأن الأمس فقط هو الذي واجه فيه الأوروبيون أزمة غلاء معيشة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والتضخم، في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
هذا يعني أن النقاشات في أوروبا تعود (مجدداً) إلى قضية الاستقلال في مجال الطاقة.
ويبدو أن الطاقة النووية قد عادت إلى الواجهة كجزء ضمن مزيج الطاقة الأوروبي المحلي، في بريطانيا والاتحاد الأوروبي على حد سواء. ولكن ما مدى سرعة إمكانية حل هذه المشكلة باستخدام الطاقة النووية؟ وما مدى أمانها وموثوقيتها فعلاً؟
صدر الصورة، AFP
وفي قمة الطاقة النووية الأوروبية الأخيرة في باريس، وصفت فون دير لاين، التي ربما نسيت أنها كانت وزيرة في الحكومة الألمانية عندما اتخذت قرار التخلص التدريجي من محطات الطاقة النووية عام 2011، تخلي أوروبا بشكل كبير عن الطاقة النووية بأنه "خطأ استراتيجي".
في عام 1990، كانت أوروبا تنتج حوالي ثلث كهربائها من الطاقة النووية. وقد انخفض هذا الرقم الآن إلى 15 في المئة في المتوسط، ما جعل القارة "تعتمد كلياً على واردات الوقود الأحفوري باهظة الثمن والمتقلبة"، على حد قولها، الأمر الذي يضع أوروبا في وضع غير مواتٍ مقارنة بمناطق أخرى من العالم.
وتستورد أوروبا أكثر من 50 في المئة من احتياجاتها من الطاقة، وبشكل أساسي من النفط والغاز.
هذا يجعل القارة عرضة لانخفاضات غير متوقعة في الإمدادات، كما حدث مع روسيا بعد أن فرضت أوروبا عقوبات على صادرات الطاقة الروسية، أو لارتفاع الأسعار في السوق العالمية، كما نشهد الآن بسبب تضييق إيران الخناق على صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز.
ترتفع أسعار الغاز بمعدل مماثل في جميع أنحاء أوروبا، لكن تأثير ذلك على أسعار الكهرباء يختلف باختلاف مزيج الطاقة في كل دولة.
في إسبانيا- التي استثمرت بكثافة في طاقة الرياح والطاقة الشمسية- من المتوقع أن يبلغ متوسط سعر الكهرباء لما تبقى من عام 2026 حوالي نصف سعرها في إيطاليا، حيث يُحدد الغاز سعر الكهرباء في 90 في المئة من الأوقات.
تُعد فرنسا أكبر منتج للطاقة النووية في أوروبا، إذ تُنتج حوالي 65 في المئة من كهربائها من الطاقة النووية. وبناءً على العقود الآجلة، فإن أسعار الكهرباء في ألمانيا للشهر المقبل تبلغ خمسة أضعاف أسعارها في فرنسا- وهو تباين صارخ.
تخلت ألمانيا عن الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما النووية، التي وقعت في اليابان عام 2011. أدى ذلك إلى جعل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي تُعدّ تقليدياً عماد الاقتصاد الألماني- كصناعة السيارات والكيماويات- تعتمد اعتماداً كبيراً على الغاز.
هذا الأسبوع، خفّضت أبرز معاهد البحوث الاقتصادية في برلين توقعاتها للنمو لعام 2026 إلى أكثر من النصف، لتصل إلى 0.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الغاز عالمياً.
يُلاحظ في أوروبا حماس متجدد للطاقة النووية:
- تُعدّ إيطاليا مشاريع قوانين لإلغاء حظرها المفروض منذ زمن طويل.
- يبدو أن بلجيكا تُغيّر موقفها تماماً، بعد سنوات من التردد في الاستثمار في الطاقة النووية.
- اليونان، التي كانت تاريخياً حذرة بسبب المخاوف الزلزالية، فتحت نقاشاً عاماً حول تصاميم المفاعلات المتقدمة.
- السويد تراجعت عن قرارها الذي استمر لأربعة عقود، بالتخلي عن التكنولوجيا النووية.
- في بريطانيا، أعلنت وزيرة الخزانة راشيل ريفز مؤخراً عن تبسيط اللوائح للمساعدة في تطوير المشاريع النووية.
وقالت ريفز: "لتعزيز القدرة الوطنية على مواجهة الأزمات، ودعم أمن الطاقة، وتحقيق النمو الاقتصادي، نحن بحاجة إلى الطاقة النووية".
تشير استطلاعات رأي جديدة أجرتها مؤسسة (يو كوف- YouGov) إلى تزايد الدعم للطاقة النووية في اسكتلندا، حيث يؤيدها غالبية السكان الآن كجزء من إمدادات الطاقة في البلاد.
ولا يخفى على أحد أن فرنسا هي الداعم الأكبر للطاقة النووية. فالرئيس إيمانويل ماكرون حريص دائماً على تسليط الضوء على سجلّ هذه الصناعة، باعتبارها منخفضة الانبعاثات الكربونية، مما قد يُساعد الاتحاد الأوروبي على تحقيق أهدافه في الوصول إلى الحياد الكربوني.
وقال في القمة النووية الأوروبية إن "الطاقة النووية هي المفتاح للتوفيق بين الاستقلال، وبالتالي السيادة في مجال الطاقة، وبين خفض الانبعاثات الكربونية، وبالتالي الحياد الكربوني".
صدر الصورة، AFP
كما أكد ماكرون على تزايد الطلب على الطاقة بسبب الذكاء الاصطناعي، وعلى اعتقاده بأن الطاقة النووية قد تمنح أوروبا ميزة تنافسية، أو "القدرة على إنشاء مراكز بيانات، وبناء قدرات حاسوبية، والريادة في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي".
وحتى العام الماضي، عرقلت ألمانيا الجهود الرامية إلى معاملة الطاقة النووية على قدم المساواة مع مصادر الطاقة المتجددة في تشريعات الاتحاد الأوروبي. وقد تسبب ذلك في الكثير من التوتر مع فرنسا، التي يُفترض أنها أقرب حلفاء برلين في الاتحاد الأوروبي.
لكن برلين وافقت لاحقاً على إزالة التحيز ضد الطاقة النووية. قد يرى البعض أن ذلك مرتبط بمخاوف الدفاع والأمن، الناجمة عن تدهور العلاقات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
طلبت ألمانيا من فرنسا توسيع نطاق ردعها النووي المستقل، ليشمل الشركاء الأوروبيين، وهو ما وافقت عليه فرنسا هذا الشهر.
لكن يجب الحذر من اعتبار الطاقة النووية حلاً سحرياً لمشكلة الطاقة.
إن تطوير الطاقة النووية مشروع طويل الأمد، وليس حلاً مؤقتاً لانعدام أمن الطاقة الحالي.
قد يتعرض بناء المفاعلات النووية لتأخيرات طويلة للغاية، كما يتضح من الأمثلة الحديثة في فرنسا وبريطانيا، في محطتي "فلامانفيل-3" و"هينكلي بوينت سي".
لا تزال مشكلات إدارة النفايات والمخاوف العامة بشأن سلامة الطاقة النووية قائمة.
صدر الصورة، Anadolu via Getty Images
وتحذر جماعات بيئية من أن الاستثمار في الطاقة النووية قد يصرف الأموال والاهتمام السياسي، عن تسريع تطوير مصادر الطاقة المتجددة، ويكمن خطر استراتيجي إضافي في أن عدداً من دول أوروبا الوسطى، ولا سيما المجر وسلوفاكيا، لا تزال تعتمد على التكنولوجيا النووية الروسية واليورانيوم.
يقول كريس أيلت، الباحث في مركز البيئة والمجتمع في معهد تشاتام هاوس: "إنك تتجاهل تاريخ الطاقة النووية في أوروبا، إذا كنت تعتقد أنها يمكن أن تُطرح ببساطة (كحل سهل لأزمة الطاقة)".
ويعتقد أيلت أن الطاقة النووية جزء من الحل، لكن العديد من المفاعلات النووية الأوروبية قديمة، وتحتاج الحكومات إلى استثمارات ضخمة لمجرد صيانتها أو تمديد عمرها التشغيلي.
ويضيف: "يكمن التحدي الرئيسي في الحفاظ على الحصة الحالية (للطاقة النووية). إذا أرادت الحكومات حقاً زيادة هذه الحصة، فإنها تحتاج إلى الكثير من الوقت والمال".
لكن العديد من حكومات أوروبا مثقلة بالديون، وتعاني من ضوائق مالية، وتواجه أولويات متضاربة عديدة، مثل كيفية الحفاظ على مستوى الرعاية الاجتماعية، وزيادة الإنفاق الدفاعي إلى المستويات التي وُعد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
يشير أيلت إلى أن الطاقة النووية تتراجع من حيث ميزة التكلفة، نظراً لانخفاض تكاليف طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
لذا، مع مراعاة التكلفة والجدوى العملية، سارعت المفوضية الأوروبية إلى تبني مفهوم المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (أس أم آر أس- SMRs).
وتعتبر المفاعلات النووية الصغيرة مصادر طاقة نووية أكثر فعالية، من حيث التكلفة. يمكن إنتاجها بكميات كبيرة في المصانع، وهي مناسبة بشكل خاص لتلبية احتياجات الطاقة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وإنتاج الهيدروجين، وشبكات التدفئة المحلية.
كُشف مؤخراً عن حزمة استثمارية في الطاقة النووية من الاتحاد الأوروبي، بقيمة 330 مليون يورو (381 مليون دولار أمريكي)، مع دعم قوي للمفاعلات الصغيرة. وتأمل بروكسل في تشغيل هذه التقنية الواعدة بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.
ويحظى التركيز على المفاعلات الصغيرة باهتمام دولي. أعلنت الولايات المتحدة واليابان الأسبوع الماضي عن مشروع بقيمة 40 مليار دولار، لتطوير مفاعلات نووية صغيرة في ولايتي تينيسي وألاباما، بينما نشرت وزيرة البيئة، إيما رينولدز، الشهر الماضي المبررات التنظيمية لخطة شركة رولز رويس، لتصبح أول شركة تحاول بناء مفاعلات نووية صغيرة في بريطانيا.
لكن على الرغم من جاذبيتها، لا تزال المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة غير مُثبتة الجدوى على نطاق تجاري. وحتى أوائل عام 2026، لم تُمنح أي تراخيص بناء في أي مكان في الاتحاد الأوروبي.
مع ذلك، يحظى البحث في مجال الاندماج النووي باهتمام الاتحاد الأوروبي، إذ يهدف الاتحاد إلى تطوير أول محطة طاقة اندماجية تجارية تدخل حيز التشغيل.
لكن في الوقت الراهن، لا تزال معظم دول أوروبا تعتمد على واردات الوقود الأحفوري.
ويرى أيلت أن من مصلحة القارة الأوروبية بوضوح أن تكون أكثر استقلالية في مجال الطاقة، حتى لا تتعرض لأهواء المصدرين، بمن فيهم الأنظمة الاستبدادية المتقلبة، أو لتقلبات خوارزميات أسواق النفط والغاز.
من الواضح أن الحكومات الأوروبية تنظر إلى الطاقة النووية كجزء من الحل المتوسط إلى الطويل الأجل. ولكن ماذا عن الوضع الراهن؟
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :