السبت 4 أبريل 2026 05:00 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
عندما لوّح الرئيس الأمريكي أكثر من مرة بإمكانية السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، برزت حينها تساؤلات كثيرة بشأن ما إذا كان ينوي فعلاً التدخل برياً في إيران. وأعقبت هذه التساؤلات مخاوف من احتمالية تحقق هذا السيناريو في مرحلة ما، خاصة بعد إرسال بضعة آلاف من الجنود الأمريكيين إلى الشرق الأوسط خلال الأيام القليلة الماضية؛ إذ لا يُعرف على وجه الدقة الهدف من إرسال هؤلاء الجنود أو طبيعة مهامهم.
ولم تتوقف تحذيرات ترامب للإيرانيين منذ بداية الحرب، قبل أكثر من شهر، مهدداً تارةً "بإعادتهم إلى العصر الحجري" وتارةً أخرى "بضرب كل محطاتهم للطاقة بشدة وربما في وقت واحد". وتتمثل أهمية جزيرة خرج في كونها المنفذ الذي تصدر منه إيران جلّ إنتاجها من النفط، وهو ما يمثل شريان حياة للدولة الإيرانية.
صدر الصورة، Getty Images
"ليس غزواً"
يستبعد معظم الخبراء والمحللين تكرار واشنطن لسيناريو غزو العراق؛ فذكراه لا تزال ماثلة بتداعياتها الخطيرة، وما أفرزه من صراعات طائفية دموية ونمو لحركات مسلحة متطرفة في الشرق الأوسط.
يميز نيسان رفاتي، المحلل المختص في الشأن الإيراني بمجموعة الأزمة الدولية، بين 'الغزو البري' الشامل والخطط العسكرية المخصصة للطوارئ، موضحاً أن أربعة عقود من الصراع مع طهران دفعت القيادة المركزية الأمريكية للتحسب لكافة السيناريوهات.
ويرجح رفاتي أن واشنطن قد تلجأ إلى 'عملية برية' محدودة بدلاً من الغزو الشامل، بهدف السيطرة على مواقع محددة أو استهداف منشآت نووية. ويعزو دوافع هذه العملية المحتملة إلى سعي واشنطن للسيطرة على اليورانيوم المخصب، وهي مهمة شاقة، أو لمواجهة هيمنة طهران على مضيق هرمز، الممر الذي يتدفق عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية والمغلق منذ اندلاع الحرب.
أكد ترامب مؤخراً استغناء واشنطن عن مضيق هرمز حيث إنها لا تستورد نفطا من خلاله، داعياً الدول المتضررة من إغلاقه إلى تأمين إمداداتها بنفسها.
صدر الصورة، Truth Social
وشنت الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو/حزيران الماضي غاراتٍ جوية قالت إنها تهدف إلى 'إزالة التهديد النووي الإيراني' بحسب الجيش الإسرائيلي، أسفرت عن مقتل ستة علماء واغتيال قادة عسكريين أبرزهم اللواء محمد باقري رئيس هيئة الأركان العامة، واللواء حسين سلامي القائد العام للحرس الثوري، واللواء غلام علي رشيد نائب قائد الجيش؛ وهي عمليات اعتبرها نتنياهو 'دحراً لتهديد وجودي لإسرائيل'."
ومع ذلك، تظل التوقعات بانخراط أمريكي في عمليات برية نوعية محفوفة بمخاطر جسيمة على القوات والمنطقة ككل بحسب الخبراء؛ خاصة في ظل تهديد الفصائل الموالية لإيران في العراق واليمن ولبنان، والتي استهدفت المصالح الأمريكية مراراً منذ اندلاع الصراع الحالي.
"اختناق الملاحة"
يُحذر نيسان رفاتي، المحلل المختص في الشأن الإيراني بمجموعة الأزمات الدولية، من تبعات وخيمة لأي مواجهة ميدانية، مؤكداً أن طهران "ستدفع بقواتها لمواجهة أي قوات أمريكية محتملة ماسيحول الأمر لقتال مباشر". ويرى رفاتي أن التفوق الجوي الأمريكي لن يمنع الجيش الإيراني، رغم تراجع قدراته، من مواصلة هجماته الصاروخية وبالطائرات المسيرة التي استهدفت سابقاً إسرائيل ومنطقة الخليج.
كما يُسلط رفاتي الضوء على مخاطر اتساع رقعة الصراع، مستشهداً بالتوترات في العراق واستهداف مبان دبلوماسية أمريكية وكذلك قواعد عسكرية على يد فصائل مسلحة عراقية تدعمها طهران، بالإضافة للتوغل الإسرائيلي في لبنان، والهجمات الصاروخية الحوثية تجاه إسرائيل. ويُبدي تخوفاً خاصاً من تهديد الحوثيين للملاحة في مضيق باب المندب بالبحر الأحمر، ما قد يفرض 'حالة اختناق' على أهم ممرين مائيين لتجارة النفط العالمية.
وفي الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني عام 2023 حتى 2025، استهدف الحوثيون المدعومون من إيران، والذين يسيطرون على شمال اليمن والعاصمة صنعاء، عشرات السفن على الأقل في البحر الأحمر "دعماً لغزة"، حسب قولهم، في حربها ضد إسرائيل، ما دفع بعض كبرى شركات الشحن لتغيير مساراتها. ويُعد مضيق باب المندب، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والقريب من اليمن وإريتريا وجيبوتي، البوابة الجنوبية الحيوية لحركة الملاحة القادمة من المحيط الهندي وخليج عدن باتجاه قناة السويس.
صدر الصورة، Getty Images
"قرار سيئ"
ويشكك توماس جونو، الأستاذ بجامعة أوتاوا في كندا وزميل معهد تشاتام هاوس البحثي في لندن، في جدوى أي تحرك بري، معتبراً أن ترامب قد يكرر "قراراته السيئة" رغم تعقيد المهمة وتدني فرص نجاحها، علي حد تعبيره.
ويرى جونو أن "السيطرة على جزيرة خرج أسهل بكثير من الاحتفاظ بها"، إذ ستصبح القوات الأمريكية هناك هدفاً مكشوفاً للقصف الإيراني؛ ما يعني أن تقويض صادرات طهران النفطية سيكلف واشنطن "ثمناً باهظاً"، مثلما قال.
تملك إيران ما يزيد على 10 في المئة من احتياطي النفط العالمي ونحو 15في المئة من الغاز، وفقاً لوزارة الطاقة الأمريكية. ومع تصدير جل إنتاجها لآسيا، تسببت الحرب في رفع أسعار النفط إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل، ما عمّق معاناة الأسواق الآسيوية.
ويرى توماس جونو، زميل معهد تشاتام هاوس البحثي، أن أهداف إرسال قوات أمريكية تتراوح بين الضغط على طهران، أو التمهيد لعملية برية، أو توجيه رسالة قوية للداخل الأمريكي وللجمهوريين بأن واشنطن قادرة على مواجهة العدو.
ويستبعد جونو أن تكفي أعداد الجنود الأمريكيين التي وصلت للشرق الأوسط لشن عملية برية كبيرة. ويضيف أن"غزو إيران" يحتاج مئة ألف جندي وليس بضعة آلاف، علي حد تعبيره.
ويقول "استلزم غزو العراق 150 ألف جندي، وإيران مساحتها أكبر وطبيعتها الجغرافية أكثر تعقيداً".
صدر الصورة، Getty Images
وكلاء إيران
وتتباين التقديرات حول حجم تهديد الجماعات المرتبطة بإيران في المنطقة؛ وقدرتها على استهداف القوات الأمريكية إذا شرعت في عمل بري في الداخل الإيراني.
بينما يرى توماس جونو، زميل معهد تشاتام هاوس البحثي، تراجع تأثيرهم مع "إضعاف حماس وانشغال حزب الله في الحرب مع إسرائيل وحذر الفصائل المسلحة في العراق وعدم رغبتها في التصعيد."
ويستبعد جونو لجوء الحوثيين إلى إغلاق مضيق باب المندب خشية الانتقام الأمريكي، معتبراً أن القصف الأمريكي الإسرائيلي لهم في عام 2025 كان 'موجعاً، ما قد يدفعهم للتردد في تعطيل الملاحة مستقبلاً رغم احتمالية حدوث ذلك."
في المقابل، يؤكد نيسان رفاتي، المحلل المختص في الشأن الإيراني بمجموعة الأزمة الدولية، خطر وكلاء إيران مستشهداً بهجمات الفصائل العراقية على المصالح الأمريكية. ويوضح أن التهديد الحوثي لا يقتصر على القصف المباشر للسفن، بل يمتد لخلق بيئة طاردة للملاحة عبر "رفع تكاليف التأمين، وبث القلق لدى الطواقم من عبور ممرات مائية غير آمنة."
ولجأت السعودية لتحويل مسارات تصدير نفطها تفادياً لمضيق هرمز؛ إذ بدأت تعتمد على موانئها المطلة على البحر الأحمر. لذا يوضح رفاتي أنه "بالنظر لما حدث في هرمز فلن يكون صعبا خلق حالة من خوف تعطل التجارة البحرية."
صدر الصورة، Getty Images
اتساع الصراع
يُحذر مخلد حازم، خبير الشؤون الأمنية العراقي، من تحول بلاده إلى ساحة لتصفية الحسابات، مشيراً إلى كثرة الفصائل الموالية لطهران وغياب المعلومات الدقيقة بخصوص أعدادها وحجم قدراتها العسكرية. ويرى حازم أن العراق لن يكون بمنأى عن أي تحرك أمريكي ضد جزر مثل خرج؛ إذ تمتلك هذه الفصائل خططاً غير معلنة للإسناد، قد تصل إلى حد إرسال مقاتلين عراقيين للمشاركة في العمليات الميدانية برياً، كما يرى.
ورغم المطالب الأمريكية المتكررة بنزع سلاح الفصائل العراقية ومحاولات بغداد التزام الحياد منذ حرب غزة، يوضح حازم أن هذه الجماعات "في كثير من الأحيان لا تأبه بقرارات الدولة التي تريد أن تنأى بالعراق عن أي مخاطر خارجية".
ويرى أن إيران تستغل المجموعات المرتبطة بها في المنطقة لتشاغل إسرائيل على أكثر من جبهة، فهي "تشاغل الشمال عبر حزب الله وتريد مشاغلة الجنوب عبر الحوثيين، الذين أطلقوا عدة صواريخ، بينما تتجه هي لإدارة المخزون الاستراتيجي الصاروخي في وسط إسرائيل."
ويعتقد حازم، وهو طيار سابق، أن الخطر الحقيقي على أي تحرك أمريكي لا يكمن في دول الجوار، بل في الداخل الإيراني؛ حيث يتبنى ملايين المقاتلين في الحرس الثوري والباسيج عقيدة 'القتال حتى الرمق الأخير" إذ قد يتحولون لمجموعات تقاتل بشكل لا مركزي." ويشدد على وعورة التضاريس الإيرانية "التي 'تُقاتل الغزاة قبل السلاح'.
الخليج
صدر الصورة، Getty Images
منذ اندلاع الحرب، ردت إيران على الضربات الأمريكية بقصف دول الخليج التي تضم قواعد عسكرية ومصالح لواشنطن. ومع الوقت، اتسع نطاق الاستهداف ليشمل البنية التحتية الحيوية، من محطات طاقة وتحلية ومصافي نفط ومطارات؛ ما أسفر عن تقليص حركة الطيران ونزوح واسع للمقيمين والسياح.
ونددت دول مجلس التعاون بما وصفته بانتهاك طهران الصارخ للقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار. وفي حال التصعيد البري، تتعاظم المخاوف من أن تكون دول الخليج المتضرر الأكبر".
وطالما ارتبطت دول الخليج بعلاقة تحالف قوية مع الولايات المتحدة، لكن الحرب قد تفرض على دول الخليج إعادة تقييم علاقتها بواشنطن، بحسب كثير من المراقبين، رغم غياب الانتقادات العلنية حتى الآن. ولا يعرف بعد الأثر الذي ستتركه الحرب على متانة هذا التحالف.
يشير نيسان رفاتي، المحلل المختص في الشأن الإيراني بمجموعة الأزمة الدولية إلى تباين المواقف الخليجية من إيران، لكنها سعت جميعها للتقارب مع طهران في السنوات القليلة التي سبقت الحرب، لكنها "صدمت من تحولها إلى هدف مباشر للرد الإيراني". ويوضح أن وقوعها في 'مرمى النيران' دفعها لتعميق تعاونها العسكري مع واشنطن، بالتوازي مع "تنويع شراكاتها الدفاعية عبر توقيع اتفاقيات مع قوى أخرى مثل أوكرانيا."
ويؤكد مخلد حازم، خبير الشؤون الأمنية العراقي، أن دول الخليج قد تعدد شراكاتها الأمنية ومصادر تسلحها بعيداً عن المظلة الأمريكية، لتشمل قوى كتركيا وروسيا وأذربيجان وباكستان؛ مشيراً إلى أن طهران "ستواجه عداءً إقليمياً متزايداً جراء الأحداث الأخيرة."
يرى توماس جونو أن الواقع الجغرافي سيمتص بمرور الوقت "مشاعر الغضب والكراهية الخليجية تجاه طهران" مؤكداً أن علاقة الجوار تفرض على الطرفين "التعايش والعودة إلى البراغماتية" في نهاية المطاف، لأنهم جيران.
ويرى جونو أن دول الخليج "خاسرة في كل الأحوال". فإذا توقفت الحرب "ستظل مجاورة لإيران الراغبة في الانتقام وصاحبة السيطرة الكبيرة على مضيق هرمز." أما إذا استمرت الحرب فستبقى تلك الدول "هشة ومستهدفة. فقد تراجع إنتاجها من النفط والغاز بشدة وتضررت صورتها كدول آمنة".
الغريم الصيني
صدر الصورة، Getty Images
يتجه جزء كبير من النفط الخليجي إلى أسواق شرق آسيا لتلبية احتياجات الصناعة في الصين والهند وغيرها. ويرى إبراهيم فهمي، الأستاذ الزائر بجامعة ستراثكلايد في غلاسغو، أن الولايات المتحدة تهدف عبر هذه الحرب إلى "تعطيل النمو الاقتصادي الصيني."
ويوضح أنه عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير/ كانون الثاني الماضي وسيطرة واشنطن على النفط الفنزويلي، فإنها تتطلع "إلى تغيير شامل في قواعد اللعبة، لتصبح أمريكا الشمالية هي المصدر الأساسي للنفط".
ويحذر فهمي، خبير صناعة النفط، من أن هذا التحول سيدفع أسعار النفط والغاز "إلى مستويات قياسية لم تشهدها أسواق الطاقة تاريخياً، ما سيتسبب في موجات تضخم عالمية، ستنعكس بآثار سلبية بالغة على الصين". كما يرى أن التصعيد الجاري في هذه الحرب تحركه دوافع اقتصادية؛ إذ يبدو أن "إيران هي الهدف القريب، بينما تظل الغاية البعيدة هي شن حرب اقتصادية شاملة ضد الصين."
وفي حال حدوث تدخل بري، يرى فهمي أن "الاحتياطي الاستراتيجي لدى دول كإيران وجيرانها في الخليج سينفد، ذلك أن التحرك الميداني لن يكون نزهة عابرة أو غزواً يقتصر على أيام معدودة". ويحذر من أن هذا السيناريو قد يدفع المنطقة نحو "منزلق كارثي، يتمثل في توقف تام لحركة الصادرات والواردات البحرية"، في حال عطل الحوثيون الملاحة في البحر الأحمر.
ومع ذلك، يظل المشهد السياسي والميداني مفتوحاً على التقلبات والتكهنات، في ظل أسئلة كثيرة وإجابات قليلة. لكن تداعيات هذه الحرب، إقليمياً ودولياً، باتت ضخمة بحيث يصعب معها تخيل إقدام الأطراف المتصارعة على مزيد من التصعيد مجهول المدى.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :