عندما تتجول في قرية نجريج بمحافظة الغربية، على بُعد نحو 150 كيلومترًا من العاصمة القاهرة، يصعب أن تغيب صورة محمد صلاح عن المشهد.
فهي حاضرة في كل مكان: مرسومة على الجدران، مطبوعة على الملابس، ملصقة على السيارات، وحتى على أغلفة الكراسات والهواتف المحمولة.
كانت هذه القرية، حتى سنوات قليلة مضت، غير معروفة إلا لأبنائها والقرى المجاورة، أما اليوم، فقد أصبحت واحدة من أشهر قرى مصر، بعدما حقق ابنها محمد صلاح شهرة عالمية وضعته بين أبرز لاعبي كرة القدم في العالم.
ومع إعلان صلاح قراره الرحيل عن نادي ليفربول الإنجليزي بنهاية الموسم الحالي، بعد مسيرة رائعة امتدت لتسعة أعوام، تحولت القرية إلى مساحة للنقاش بين من يؤيدون القرار ومن يرفضونه.
لكن، ورغم هذا الانقسام، تنتهي أغلب الحوارات بالجملة نفسها: "نحن نحب صلاح وسنشجعه أينما كان."
الأحلام ممكنة
عندما تتحدث إلى الناس في نجريج، لا يُعرّف الناس أنفسهم دائمًا بمهنهم أو أنسابهم، بل بعلاقتهم بمحمد صلاح: هذا زميله في الدراسة، وتلك جارته، وذاك كان زميل شقيقه في العمل، وآخر صاحب المكتبة التي كان يشتري منها مستلزماته الدراسية.
إنها علاقة تتجاوز حدود التشجيع، لتصبح جزءًا من هوية المكان وسكانه.
يقول حسن، أحد سكان القرية: "صلاح ليس مجرد لاعب كرة قدم، بل هو دليل ملموس على أن النجاح ممكن بالعمل والاجتهاد، وليس بالوساطة أو العلاقات. لقد وصل إلى مكانة لم يصل إليها أحد من قبل، ولهذا نحبه."
ويضيف محمد، رجل في الخمسين من عمره: "قبل وصول صلاح إلى العالمية، كان أقصى طموح الشباب هنا هو الحصول على وظيفة مستقرة وتأسيس أسرة. لكن صلاح فتح لنا آفاقًا جديدة."
ثم يستطرد: "ما يميز صلاح أنه جاء من بيننا. نحن نعرفه ونعرف أسرته، ونعرف كيف قضى طفولته، لذلك يستطيع كل شاب في القرية أن يرى نفسه فيه."
وليل الثلاثاء في مقطع مصور، أعلن اللاعب المصري أنه سينهي مسيرته مع نادي ليفربول الإنجليزي رغم أن تعاقده يستمر حتى نهاية موسم 2027، وهو الإعلان الذي جاء متزامنا مع إعلان النادي نفسه، غير أن هذا القرار قد يكون مدفوعا بتراجع مستوى صلاح والفريق خلال الموسم الحال.
الفشل
ما يعمّق هذا الارتباط ويزيد من ثقة الأهالي في صلاح، هو نظرته إلى الفشل وتعاطيه معه. يروي حسن: "لم يستسلم أبدًا."
بدأ صلاح مسيرته مع المقاولون العرب في مصر، ومع بداية تألقه ومشاركاته مع منتخب مصر، بدأ اسمه يبرز في الأوساط الكروية، وظهرت شائعات عن اهتمام الزمالك بضمه.
بالنسبة لأهالي نجريج، لم يكن الأمر مجرد انتقال محتمل، بل كان أقرب إلى حلم كبير يصعب تصديقه.
يقول حسن: "مجرد معرفتي بلاعب في المقاولون كان أمرًا مميزًا، فكيف بابن قريتي أن ينتقل إلى الزمالك؟ بدا الأمر أكبر من أن يُصدق."
لكن هذا الحلم لم يكتمل، بعدما صرّح ممدوح عباس، رئيس نادي الزمالك آنذاك، بأن صلاح لا يزال بحاجة إلى الكثير قبل أن يكون جاهزًا للانضمام إلى نادٍ بحجم الزمالك.
غير أن تلك اللحظة لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بدايته الحقيقية.
بعد شهور قليلة، انتقل صلاح إلى بازل السويسري، في خطوة لم تكن سهلة على شاب من قرية صغيرة يجد نفسه فجأة في بيئة جديدة بالكامل، يتعامل فيها مع محترفين لا يتحدثون لغته.
هناك، أثبت نفسه سريعًا وبدأ يلفت الأنظار بأدائه في الدوري السويسري والمنافسات الأوروبية.
ويختم حسن واصفًا تلك المرحلة: "ما فعله صلاح حينها يشبه البطل الخارق. هناك رأيته كملهم، وليس مجرد لاعب ناجح أو شخص نعرفه فقط."
الفشل مجددًا
صدر الصورة، Getty Images
يقول محمد: "عندما رأينا ابن قريتنا يلعب في دوري أبطال أوروبا مع أكبر لاعبي العالم، شعرنا أن تلك هي نهاية الحلم… لكن مع صلاح هناك دائمًا المزيد."
بعد ذلك، انتشرت شائعات عن اهتمام تشيلسي الإنجليزي بالتعاقد معه، يقول حسن: "عندما سمعت الخبر لأول مرة، ظننت أنهم يقصدون تشيلسي الغاني… لم أصدق حتى رأيته بقميص تشيلسي الأزرق."
لكن تجربة صلاح مع تشيلسي لم تسر كما كان متوقعًا، إذ لم يحصل على فرص كافية للمشاركة تحت قيادة المدرب جوزيه مورينيو، ما أدى إلى توتر العلاقة بينهما.
مع قلة المشاركة، خرج صلاح على سبيل الإعارة إلى فيورنتينا الإيطالي، حيث استعاد بريقه سريعًا، وقدم أداءً مميزًا وسجل 9 أهداف في 16 مباراة، ليؤكد أنه لا يزال قادرًا على التألق في أعلى المستويات.
بعدها انتقل إلى روما، وهناك شهدت مسيرته نقلة نوعية حقيقية. لعب في الدوري الإيطالي والدوري الأوروبي، وقدم أداءً استثنائيًا، حيث سجل 15 هدفًا في موسمه الأول، وواصل تألقه في موسمه الثاني محققًا 15 هدفًا في الدوري وحده، بإجمالي يقارب 19 هدفًا في جميع البطولات. لم يقتصر تأثيره على التسجيل فقط، بل كان عنصرًا مؤثرًا في صناعة اللعب، ما جعله من أبرز نجوم الفريق.
هذا التألق الكبير أعاد اسمه بقوة إلى الساحة الأوروبية، وجذب أنظار الأندية الكبرى، وعلى رأسها ليفربول، الذي تعاقد معه في عام 2017.
أسطورة إنجليزية
صدر الصورة، gettyimages
خلال مسيرته مع ليفربول، حصد صلاح الكثير من الألقاب الفردية والجماعية مثل دوري أبطال أوروبا، الدوري الإنجليزي، كأس الاتحاد الإنجليزي، كأس رابطة الأندية، كأس السوبر الأوروبي، وكأس العالم للأندية.
ويصف محمد قطب الصحفي الرياضي المصري المقيم ببريطانيا مسيرته بأنها حقق خلالها كل ما يمكن تحقيقه مع ليفربول، سواء ألقابًا فردية أو جماعية.
لكن إنجازات صلاح لم تكن فقط رياضية، إذ يرى قطب أنه ساعد المهاجرين العرب والأفارقة كثيرًا. مضيفًا: "لقد أعاد تعريف ما يمكن أن يصل إليه المهاجر العربي أو الإفريقي الذي لا يريد التخلي عن جذوره، وفي الوقت ذاته يصنع لنفسه مكانًا في هذا المجتمع. لقد كان سفيرًا ممتازًا."
ويرجع قطب، الذي حاور صلاح سابقا خلال مواسمه الأولى مع ليفربول، ذلك إلى "المرونة في اكتساب إيجابيات الثقافة وبيئة العمل التي يعيش فيها مع الاحتفاظ بطبعه المصري الأصيل."
ملابسات القرار
خلال العامين الماضيين، كانت هناك تقارير تتحدث عن عروض سعودية سخية لمحمد صلاح، لينتقل إلى الدوري السعودي ويلحق بالعديد من نجوم العالم مثل البرتغالي كريستيانو رونالدو، الفرنسي كريم بنزيما، والسنغالي ساديو مانيه.
لكن قطب يرى أن هذا القرار ينهي الفصل المتوتر الأخير الذي ساد العلاقة بين المدرب واللاعب وإدارة النادي، كما أنه يحرر النادي من عبء الرغبة في التخلص من صلاح لأسباب مالية تتعلق بضخامة راتبه، إذ يتقاضى ٤٠٠ ألف جنيه إسترليني أسبوعيًا، ويعني قراره بالحيل تنازله عن هذا الراتب لموسم كامل.
وصرح صلاح في ديسمبر/ كانون أول الماضي بأنه شعر وكأن النادي "ألقى به تحت الحافلة"، وأنه تم اتخاذه كبش فداء لتعثرات الفريق، بعدما أوضح أن علاقته مع المدرب أرني سلوت قد انهارت تماما.
ويضيف قطب: "جمهور ليفربول لن ينسى محمد صلاح، الذي يُعد ثالث أكبر هداف في تاريخ النادي. بالتأكيد سيفتقد الجمهور أيقونة كما افتقد ستيفن جيرارد سابقًا. لقد كان صلاح من آخر معالم حقبة يورغن كلوب والزمن الذهبي، ورحيله يمثل نهاية حقبة، ومن الصعب تعويضه."
أما في نجريج، فيتفق أغلب من تحدثنا معهم على أن تشجيع صلاح لم يعد خيارًا، فهو مهمة وطنية.
يقول محمد: "لقد شجعناه في بازل ونحن لم نعرف سابقًا أن سويسرا بها كرة قدم، وشجعناه في تشيلسي وفيورنتينا وروما وليفربول، وسنشجعه أينما ذهب. نتمنى أن يذهب إلى نادٍ أكبر وأعرق، لكن أياً كان قراره، نحن معه."
وبحسب بعض التقارير، تتمثل سيناريوهات مستقبل صلاح في الانتقال إلى فريق أمريكي أو ربما يعود للدوري الإيطالي أو الفرنسي أو التركي، بانتظار ما سيقرره الملك المصري، حسبما يلقبه مشجعو ليفربول، صاحب الـ34 عاما.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :