Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

المدينة التركية المبنية على "الذهب الأخضر"

الأربعاء 18 مارس 2026 11:28 صباحاً صدر الصورة، Getty Images

Article Information

على مدى قرون، رسم الفستق ملامح مدينة غازي عنتاب التركية. واليوم، لا يزال المكون الأثمن في عاصمة المطبخ التركي، والسر وراء بقلاوتها الأسطورية.

ومع أواخر الصيف، يغادر خبازو غازي عنتاب مطابخهم ليجوبوا بساتين الفستق التي تتشابك عبر سهول جنوب شرق البلاد المشمسة. ويعرف هذا المحصول محلياً باسم "الذهب الأخضر"، وهو ليس مجرد مورد اقتصادي، بل المكون الأهم في عاصمة الطهي التركية ورمز محبب للمدينة نفسها.

وعلى الرغم من أن موسم الحصاد يكون عادة في سبتمبر/أيلول، فإن بعض الحبات تقطف يدوياً قبل نحو شهر، حين تكون الثمار لا تزال صغيرة ذات لب أخضر زمردي.

وتقول آيلين أوني تان، محررة كتاب "مذاق الشمس والنار" عن مطبخ غازي عنتاب: "يجول أصحاب المخابز بين الأشجار، يتذوقون الفستق أثناء تنقلهم. وعندما يقترب الحصاد، يشترون محصول بستان كامل في الحال".

ويعود ذلك إلى أن فستق أوائل الموسم، المعروف بنكهته الاستثنائية، يعد أساسياً في حلويات مثل الكاتمر (معجنات إفطار كريمية) والبقلاوة (التي يقال إنها الأفضل في تركيا)، والتي جعلت من غازي عنتاب وجهةً يقصدها عشاق الحلويات.

أما بالنسبة للسكان المحليين، فهذه الأطعمة ليست مجرد حلويات؛ بل جزء أساسي من الحياة في واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، غازي عنتاب هي واحدة من أقدم المدن المأهولة بالسكان في العالم

"الحلويات هنا تتجاوز كونها مجرد أطباق للتحلية، فهي ترافق معظم محطات حياتنا"، تقول خديجة بكمز، الأستاذة المشاركة في جامعة غازي عنتاب والمتخصصة في فنون الطهي والثقافة، خلال لقائنا في مكتبها على بسكويت وأكواب من الشاي التركي الأحمر في كؤوس على شكل زهرة التوليب.

ويمتد هذا التقليد من المهد إلى اللحد: فالعائلات التي تستقبل مولوداً جديداً توزّع صواني بقلاوة الفستق المغمورة بالقطر، فيما يغرف المعزّون حلاوة السميد الطرية المقلية في زبدة عطرية.

وتضيف: "مشاركة هذه الأطباق وسيلة لتعزيز الروابط داخل المجتمع".

وقبل بزوغ الفجر، يشعل الخبازون أفراناً تعمل بخشب البلوط، تُقدَّر لحرارتها النقية الخالية من الدخان، ويبدؤون يومهم مبكراً لإعداد الكاتمر: رقائق من عجين مفرود بعناية تطوى حول حشوة غنية من الفستق الحلو والقشدة المتخثرة.

وبحلول الساعة الثامنة صباحاً، عندما وصلت إلى مخبز "كاتمرجي زكريا أوستا"، وهو مخبز عائلي يعود تاريخه إلى أكثر من قرن، كان السكان يتجمّعون حول طاولات خشبية صغيرة، يتناقلون أباريق الحليب البارد فوق أطباق الكاتمر الساخنة ذات الحواف المقرمشة الخارجة لتوّها من الفرن.

وقال محمد أوزسيميتشي، مالك المخبز من الجيل الثالث: "يتناول العروسان الكاتمر كأول فطور لهما. والفكرة أن تبدأ حياتهما بطعم حلو وكلام حلو".

صدر الصورة، Jen Rose Smith

التعليق على الصورة، أوزسيميتشي هو مالك الجيل الثالث لمخبز كاتميرسي زكريا أوستا الذي يعود تاريخه إلى قرن من الزمان في غازي عنتاب

بدأ أوزسيميتشي العمل إلى جانب والده في مخبز العائلة منذ طفولته. وحتى اليوم، وهو في الخامسة والستين، لا يزال يستهل يومه بتناول كاتمر يعده خبازوه المهرة.

ويقول إنه يستحيل إعادة إنتاج كاتمر غازي عنتاب من دون نكهات البيئة المحلية المحيطة، مثل الفستق من البساتين القريبة والسمن المصفى من ماشية ترعى في الجبال المجاورة.

وقال: "في غازي عنتاب، نكن احتراماً كبيراً للمكونات".

وتنساب روائح الأفران في مخبز "كاتمرجي زكريا أوستا" عبر متاهة من أزقة المدينة القديمة، التي يرجح بعض الباحثين أنها تعود إلى مستوطنة من العصر الحجري الحديث قبل أكثر من عشرة آلاف عام.

وفي متحف الفستق الصغير، المجاني الزيارة، والمقام في مبنى على هيئة حبة فستق وسط أشجارها، علمت أنه عثر على بقايا فستق تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد في موقع "أويلوم هويوك" الأثري، الواقع على بعد 50 كيلومتراً جنوب غازي عنتاب، مع دلائل على استيطان متواصل منذ نحو 3400 قبل الميلاد.

واليوم، يمكن للزائر أن يقضي أياماً في تتبع مسار غير رسمي للفستق: إذ تتكدس الحبات في أكوام هرمية داخل متاجر الأسواق القديمة المسقوفة، منها الطازج بقشرته الخارجية الوردية الشبيهة بالبتلات، ومنها المحمص الجاهز للأكل.

وفي سوق "بكِرجيلار تشارشي" (سوق النحاسين)، تعرض الأكشاك حلقوماً مغطى بالفستق للأكل السريع، ولفائف من معجون الفستق تحمل بسهولة في الأمتعة. فيما تومض لافتات النيون خارج المخابز بكلمة "فستق" بحروف خضراء فاقعة.

صدر الصورة، Jen Rose Smith

التعليق على الصورة، تنتشر أكوام من الفستق الطازج في جميع أنحاء أسواق غازي عنتاب

في غازي عنتاب عليك أن تعرف كلمة "فستق". فإذا أردتَ وصف صديق بمدى لطفه، يمكنك أن تقول له: "أنت كالفستق". كما يستخدم "فستق" أو "فستقي" كنداء للمودة.

ويحتفل السكان بموسم الحصاد عبر مهرجان "غاسترو عنتاب" السنوي، الذي يقام في سبتمبر/أيلول ويتضمن ورش عمل وفعاليات طهي.

ولا يزال أكثر من 70 في المئة من إنتاج الفستق في تركيا يأتي من هذه المنطقة، حيث تدفع التربة الصخرية الأشجار إلى مد جذور عميقة، فيما تسهم حرارة الصيف في نضج الثمار بالكامل.

ويقول مصطفى أوزغولر، الشيف التنفيذي لمخبز ومطعم "أوركيدي" في غازي عنتاب، حيث تكتظ الواجهات ببسكويت الفستق والبقلاوة: "فستق غازي عنتاب أحلى وأكثر خضرة من المزروع في أماكن أخرى".

وفي الجزء الخلفي من المطعم، يحضر صانع الكاتمر المعجنات حسب الطلب. وبعد أن تناولنا واحدة على الإفطار في يوم آخر، رافقني أوزغولر وابنه أمير إلى بستان فستق يقع على تل في قلب المدينة، غير بعيد عن المطعم.

وأوضح أحد القائمين على رعاية البستان أن أشجاره، البالغ عددها 500 شجرة، تعود إلى عقود، وقد آلت إلى المدينة بعد وفاة مالكها السابق في الزلازل المدمرة التي ضربت تركيا وسوريا عام 2023.

وقال أمير، بينما كنا نسير بين صفوف الأشجار وأوراقها اليابسة تحدث حفيفاً تحت أقدامنا: "يمتلك كثيرون منازل تحيط بها أشجار الفستق والجوز يقضون فيها عطلة نهاية الأسبوع. وفي الماضي، كانت الثروة في غازي عنتاب تقاس بعدد بساتين الفستق التي يملكها الشخص".

"في غازي عنتاب، نكنّ احتراماً كبيراً للمكوّنات"، يقول أوزسيميتشي.

وتنساب روائح الأفران في مخبز "كاتمرجي زكريا أوستا" عبر متاهة من أزقة المدينة القديمة، التي يرجّح بعض الباحثين أنها تعود إلى مستوطنة من العصر الحجري الحديث قبل أكثر من عشرة آلاف عام.

وفي متحف الفستق الصغير، المجاني الزيارة، والمقام في مبنى على هيئة حبّة فستق وسط أشجارها، علمتُ أنه عثر على بقايا فستق تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد في موقع "أويلوم هويوك" الأثري، الواقع على بعد 50 كيلومتراً جنوب غازي عنتاب، مع دلائل على استيطان متواصل منذ نحو 3400 قبل الميلاد.

واليوم، يمكن للزائر أن يقضي أياماً في تتبّع مسار غير رسمي للفستق. إذ تتكدّس الحبات في أكوام هرمية داخل متاجر الأسواق القديمة المسقوفة: منها الطازج بقشرته الوردية الشبيهة بالبتلات، ومنها المحمّص الجاهز للأكل.

وفي سوق "بكِرجيلار تشارشي" (سوق النحاسين)، تعرض الأكشاك حلقوماً مغطّى بالفستق للأكل السريع، ولفائف من معجون الفستق تحمل بسهولة في الأمتعة. فيما تومض لافتات النيون خارج المخابز بكلمة "فستق" بحروف خضراء فاقعة.

صدر الصورة، Jen Rose Smith

التعليق على الصورة، الفستق هو المكون الرئيسي في أفضل أنواع البقلاوة في تركيا

على الرغم من تنوع حلويات الفستق في غازي عنتاب، تبقى البقلاوة سيدة بلا منازع.

تأسس متجر "جولو أوغلو" الصغير عام 1871 داخل سوق إلماجي المسقوف، ويقول إنه أقدم مخبز بقلاوة يعمل باستمرار في البلاد. وتعرض واجهته صواني من البقلاوة الكلاسيكية المربعة، وبقلاوة "شوبيت" الشبيهة بالفطائر، وشرائح رفيعة من "هافوج دليمي"، تتدفق منها حشوة الفستق الزاهية.

وخلال رحلة حج إلى مكة في منتصف القرن التاسع عشر، انبهر مؤسس المتجر، جولو جلبي، ببقلاوة الجوز التي رآها في محال الحلويات في دمشق وحلب، اللتين كانتا آنذاك جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. وعند عودته، عدل الوصفة مستبدلاً الجوز بالفستق الحلبي المتوافر محلياً، في خطوة غيرت تقاليد الطهي في مدينته.

صدر الصورة، Jen Rose Smith

التعليق على الصورة، يقوم الخبازون في إمام تشاغداش بفرد العجين إلى صفائح رقيقة بما يكفي للرؤية من خلالها لصنع البقلاوة

رغم تنوع حلويات الفستق في غازي عنتاب، تبقى البقلاوة سيدة حلوياتها بلا منازع.

تأسس متجر "جولو أوغلو" الصغير عام 1871 في سوق إلماجي المسقوف، ويقول إنه أقدم مخبز بقلاوة لا يزال يعمل في البلاد. وتعرض واجهته صواني من البقلاوة الكلاسيكية المربعة، وبقلاوة "شوبيت" الشبيهة بالفطائر، وشرائح رفيعة من "هافوج دليمي" تتدفق منها حشوة الفستق.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، وأثناء رحلة حج إلى مكة، أعجب مؤسس المتجر، جولو جلبي، ببقلاوة الجوز التي رآها في محال الحلويات في دمشق وحلب، اللتين كانتا آنذاك ضمن الإمبراطورية العثمانية. وعند عودته، عدل الوصفة مستبدلاً الجوز بالفستق الحلبي المتوافر محلياً، في خطوة غيرت تقاليد الطهي في مدينته.

وقالت فيليز هوسوكوغلو، خبيرة فنون الطهي التي نشأت في المدينة: "هناك فخر كبير في صناعة البقلاوة". وأضافت: "هي أشبه بروح الحرفية التي أضفاها مايكل أنجلو على فلورنسا، والأمر ذاته ينطبق على البقلاوة في غازي عنتاب".

وتتذكر هوسوكوغلو أنه في طفولتها، كان والدها يشتري صواني بقلاوة الفستق احتفالاً بنهاية شهر رمضان، ويقدمها لكل من يزورهم. ولا تزال العائلات تحافظ على ولائها لمخابزها المفضلة.

صدر الصورة، Jen Rose Smith

التعليق على الصورة، يستغرق الأمر سنوات حتى يصبح الخبازون خبراء في البقلاوة، ويبدأون في سن مبكرة

ويمكن للمسافرين على اختلاف توجهاتهم، الاستمتاع بتنوع المدينة.

وبعد تذوق بعض الحلويات في مطعم جولو أوغلو، استقللت سيارة أجرة إلى كوتشاك بقلاوة في حي حديث من المدينة، حيث تجذب قاعة الطعام الفخمة رواداً أنيقين للاستمتاع بتناول الحلويات المُقدمة بعناية.

وفي صباح أحد الأيام، قرب نهاية رحلتي، توجهت إلى ورشة البقلاوة في الطابق العلوي من مطعم إمام تشاغداش، وهو مخبز ومطعم تأسس عام 1887.

هناك، كان الخبازون ذوو المعاطف البيضاء يعملون في جوٍّ من الدقيق، مستخدمين عصياً خشبية رفيعة لفرد العجين إلى رقائق رقيقة شفافة. ثم أدخلوا صواني معدنية في أفران حجرية مضاءة بجمر برتقالي اللون من نيران ذلك الصباح. كان القطر يغلي في أحواض كبيرة، مُكوّناً رغوة كثيفة بينما كان الطهاة يسكبونه على البقلاوة الطازجة.

وأخبرني برهان تشاغداش، مالك المخبز من الجيل الرابع والذي انضم إلى العمل العائلي في سن الثانية عشرة، أن بعض هؤلاء الخبازين عملوا في المطبخ لأكثر من خمسين عاماً، بدءاً من سن الثامنة أو التاسعة.

وأضاف: "يستغرق الأمر خمس سنوات على الأقل لتدريب خبير بقلاوة ماهر".

وكان تشاغداش، البالغ من العمر 63 عاماً، يجلس معي في القسم الخلفي من المطعم أمام طبق من البقلاوة، ويوصيني بأن أتناول كل قطعة مقلوبة، بحيث يكون قاعها المغمور بالقطر إلى الأعلى، فلا تلتصق طبقاتها الهشة بالأسنان.

وقال إن عمل العائلة يتجاوز مجرد الطعام، إذ يربطه ارتباطاً وثيقاً بطقوس مدينته، من الولادة إلى الزواج والمناسبات الدينية وحتى الجنائز. وأضاف: "إنها ثقافة، أسلوب حياة كامل. هناك هواء وماء وبقلاوة"

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :