الثلاثاء 10 مارس 2026 10:52 صباحاً صدر الصورة، AFP via Getty Images
مع اشتداد القصف الإسرائيلي على بلدته في جنوب لبنان، اضطر حسن خليل إلى مغادرة منزله مع عائلته والنزوح إلى منطقة أخرى أكثر أماناً.
ومنذ ذلك الحين لم يتمكن من العودة إلى مدرسته في بلدة الصرفند (40 كيلومتراً إلى الجنوب من بيروت)، كما يواجه صعوبة في متابعة دروسه عن بعد بسبب ضعف شبكة الإنترنت في المنطقة التي نزح إليها.
حسن، وهو تلميذ في الصف التاسع، يقول لبي بي سي عربي إن النزوح غيّر تفاصيل حياته اليومية بالكامل، من مكان إقامته إلى قدرته على متابعة تعليمه.
ويشرح أن خدمة الإنترنت في المكان الذي يقيم فيه حالياً مع عائلته "شبه معدومة"، ما يجعل المشاركة في الحصص الدراسية عبر الإنترنت أمراً صعباً، حتى لو تمكنت مدرسته من تنظيمها. ويضيف أن ظروف النزوح غير المستقرة تجعل التركيز على الدراسة أكثر تعقيداً.
ويستعدّ حسن، مثل جميع طلاب الصف التاسع في لبنان، لامتحانات الشهادة الرسمية المتوسطة، وهي امتحانات وطنية موحدة تنظّم سنوياً وتشكل محطة أساسية في المسار الدراسي للتلامذة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانوية.
قصة حسن ليست حالة فردية. فمع استمرار الحرب في لبنان وما رافقها من نزوح عشرات آلاف العائلات، أُغلقت مدارس كثيرة وتحول بعضها إلى مراكز لإيواء النازحين.
وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي خطة لتنظيم العملية التعليمية خلال المرحلة الحالية. وأصدرت الوزارة تعميماً الاثنين، يسمح للمدارس باعتماد التعليم الحضوري أو التعليم عن بعد أو التعليم المدمج، وفق الأوضاع في كل منطقة.
وتقول الوزارة إن الهدف من القرار هو "ضمان استمرارية المسار التعليمي" للتلامذة رغم الحرب، مع مراعاة التفاوت الكبير في الظروف بين المناطق. غير أن القرار أثار نقاشاً واسعاً بين الطلاب والأهالي والهيئات التعليمية حول مدى قدرته فعلاً على تحقيق قدر من العدالة التعليمية في بلد يعيش حرباً ونزوحاً وتفاوتاً كبيراً في الإمكانات.
شبح الامتحانات الرسمية
صدر الصورة، Anadolu via Getty Images
بالنسبة إلى حسن، يشكل قرار استئناف الدراسة "سيفاً ذا حدين". فهو يرى أنه من حق الطلاب في المناطق الآمنة متابعة دروسهم حضورياً، لكنه يعتبر أن القرار يظلم الطلاب الذين اضطروا إلى النزوح من منازلهم وتقع مدارسهم في مناطق تتعرض للخطر.
ويقول لبي بي سي عربي: "قد يكون من حق الطالب في المناطق الآمنة أن يتلقى دروسه بشكل حضوري، لكن القرار مجحف بحق الطلاب المهجرين من منازلهم".
ويضيف أن التعليم عن بعد لا يعوض ما فاتهم، خصوصاً في ظل صعوبة تأمين الإنترنت في أماكن النزوح: "حتى لو تمكن التلميذ المهجر من متابعة تعليمه عن بعد، فهو لا يأخذ حقه بالتعليم. الأهل يواجهون صعوبة في تأمين الإنترنت في ظروف النزوح، فالإنترنت شبه معدوم في المنطقة التي نزحنا إليها".
ويشير حسن إلى أن ذلك يضع ضغطاً إضافياً على الأهالي والطلاب معاً، في وقت يستعد فيه التلامذة لامتحانات الشهادة الرسمية المتوسطة. ويقول: "لن نستطيع أن نلحق بكل الدروس التي يتطلبها المنهج للامتحان".
ومع ذلك يؤكد أنه وزملاءه سيحاولون عدم خسارة العام الدراسي، مضيفاً: "سنحاول أن نبذل كل ما في وسعنا كي لا تضيع السنة الدراسية".
ويتابع أن القلق لا يقتصر على المناطق التي غادروها، قائلاً: "لا نعلم متى يمكن أن نتعرض لغارة حتى في المنطقة التي نزحنا إليها. الخطر لا يقتصر فقط على المناطق التي نزحنا منها".
قرار "غير عادل"
حتى في المناطق التي تعد أكثر استقراراً نسبياً، لا يبدو قرار استئناف الدراسة سهلاً بالنسبة لبعض الطلاب.
طالبة في الصف التاسع في مدرسة تقع ضمن نطاق مدينة بيروت، فضلت عدم الكشف عن اسمها، تقول لبي بي سي عربي إن القرار "غير عادل" في نظرها.
وتوضح أن بعض زملائها عادوا إلى الصفوف الحضورية، بينما تضطر هي إلى متابعة دروسها عن بعد بسبب خطورة الطريق الذي تسلكه للوصول إلى مدرستها. وتقول: "بعض زملائي يذهبون إلى المدرسة، بينما أكتفي أنا بالتعلم عن بعد لأن الطريق من منزلنا إلى المدرسة غير آمن".
وتضيف أن التعليم عن بعد "صعب جداً" من حيث المتابعة والفهم، قائلة: "لا يمكننا من الحصول على المعلومات كما يجب أو فهم الدروس كما لو كنا داخل الصف".
وترى أن ذلك يؤثر بشكل خاص على طلاب الصف التاسع الذين يستعدون لامتحان رسمي في نهاية العام، مشيرة إلى أن بعض الطلاب يواجهون صعوبات أكبر. وتقول إن عدداً من زملائها "لا يستطيعون حتى الانضمام إلى الحصص التعليمية عن بعد بسبب ظروف النزوح"، بينما فقد آخرون منازلهم بعد تدميرها خلال الحرب.
صدر الصورة، Getty Images
الأهالي: "القرار يعكس انقساماً تعليمياً في البلد"
صدر الصورة، Getty Images
تقول سينتيا فقيه أمهز، وهي والدة طالبة في الصف التاسع، إن القرار وإن كان جيداً بالنسبة للسلامة العامة، إلا أنه "رسخ تقسيم البلد إلى مناطق آمنة ومناطق غير آمنة".
وتضيف أن هذا التقسيم ظهر حتى داخل العاصمة بيروت نفسها، قائلة إن بعض المدارس اعتبرت آمنة وأخرى غير آمنة.
وتشير أيضاً إلى أن المدارس الرسمية تواجه وضعاً أكثر تعقيداً، إذ تحولت العديد منها إلى مراكز لإيواء النازحين.
وتشرح: "اختبرنا التعليم عن بعد خلال جائحة كورونا. ظروف النزوح صعبة ولا تسمح لكثير من الطلاب بالتعلم عن بعد بسبب الاكتظاظ داخل المنازل. كثير من العائلات في المناطق الآمنة استقبلت أقاربها النازحين، وهذا يخلق ضغطاً كبيراً داخل البيوت وعلى شبكة الإنترنت".
وتلفت إلى أن التحدي لا يقتصر على الجانب التقني، بل يشمل أيضاً الحالة النفسية للطلاب.
وتقول: "الطلاب يعيشون وضعاً نفسياً رديئاً جداً. هم خائفون وقلقون وغير قادرين على التركيز على دروسهم في ظل خطورة الوضع الأمني والأخبار التي يتابعونها يومياً".
وتخشى من تكرار ما حصل خلال الحرب في عام 2024 عندما وصل العام الدراسي إلى منتصفه مع وجود طلاب متقدمين أكاديمياً وآخرين متأخرين.
وتقول: "لا نريد أن يتكرر سيناريو حشو المناهج فقط لإنهائها قبل موعد امتحانات غير مؤكد أصلاً إن كانت ستجرى أم لا في ظل غياب أفق واضح لنهاية هذه الحرب".
وتستشهد بتجارب دول أخرى، قائلة إن بعض دول الخليج اعتمدت التعليم عن بعد بشكل كامل خلال الأزمات، مضيفة أن "سلامة الطلاب النفسية والجسدية والعدالة بينهم أهم من عام دراسي أو شهادة رسمية".
ما موقف وزارة التربية؟
صدر الصورة، AFP via Getty Images
يؤكد التعميم الصادر عن وزيرة التربية والتعليم العالي، ريما كرامي، أن لبنان يمر بـ"ظروف استثنائية" نتيجة الحرب وما رافقها من نزوح واسع وتأثر المؤسسات التعليمية.
وتشير الوزارة إلى وجود تفاوت كبير في أوضاع التلامذة، بين من نزحوا من مناطقهم وفقدوا استقرارهم، ومن بقوا في أماكنهم لكنهم يواجهون الآثار النفسية والاجتماعية للحرب، إضافة إلى تلامذة ما زالوا قادرين على متابعة تعليمهم في مناطق أكثر استقراراً.
وطلبت الوزارة من المدارس التي تستأنف التعليم الحضوري أن تراعي أوضاع التلامذة الذين يتعذر عليهم الحضور بسبب النزوح أو الظروف الأمنية، وأن تؤمن لهم التعليم عن بعد، سواء بشكل متزامن أو عبر وسائل أخرى، لضمان استمرار تحصيلهم الدراسي.
أما في ما يتعلق بالمدارس الرسمية، فيوضح التعميم أن عدداً كبيراً منها يستخدم حالياً مراكزَ لإيواء النازحين، ما يصعب استئناف التعليم الحضوري فيها في الوقت الراهن. لذلك قررت الوزارة اعتماد التعليم عن بعد في هذه المدارس خلال الأسابيع المقبلة، مع التحضير التدريجي للانتقال إلى التعليم الإلكتروني الكامل، بحسب جهوزية كل مدرسة. كما تقرر تأجيل الدراسة في المؤسسات التعليمية الواقعة في مناطق شهدت نزوحاً كثيفاً أو تعذر فيها انتظام التعليم بسبب الحرب.
وقد أثار القرار ردود فعل متباينة داخل القطاع التربوي. فقد رحبت نقابة المعلمين به، معتبرةً أنه "خطوة متوازنة" تراعي الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، وتتيح استمرار العام الدراسي مع الحفاظ على سلامة الطلاب والمعلمين.
في المقابل، انتقدت هيئات تمثل المعلمين المتعاقدين القرار، معتبرةً أنه "من غير المقبول وطنياً وتربوياً وإنسانياً" أن تتمكن نسبة محدودة من المدارس من فتح أبوابها، بينما يعيش بقية الطلاب ظروف النزوح أو تحت القصف. كما أشارت إلى أن آلاف المعلمين فقدوا مصدر دخلهم منذ إغلاق المدارس مع اندلاع الحرب، داعيةً الوزارة إلى وضع خطة واضحة لحماية حقوقهم وضمان مستحقاتهم خلال هذه المرحلة.
وتواصلت بي بي سي عربي مع وزارة التربية والتعليم العالي للحصول على تعليق بشأن الانتقادات التي أثيرت بعد صدور القرار، إلا أن الوزارة اكتفت بالقول إن وزيرة التربية ستعقد مؤتمراً صحفياً قريباً لشرح خلفيات القرار والإجراءات التي تعتزم اتخاذها في المرحلة المقبلة.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :