الثلاثاء 17 فبراير 2026 04:52 صباحاً صدر الصورة، AFP via Getty Images
بعد أن أشرف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على اعتقال نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي، تعهد باستغلال احتياطيات النفط الفنزويلية، الأكبر في العالم.
وحالياً يقول ترامب إنه يعتزم زيارة فنزويلا، وإن لم يُحدد الموعد بعد.
وجاءت تصريحاته، التي أدلى بها الجمعة الماضي، بعد أن أنهى وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت زيارة استغرقت يومين إلى فنزويلا للاطلاع على كيفية بدء البلاد إعادة فتح قطاع النفط أمام الشركات الأمريكية.
كما أتت زيارة رايت بعد فترة وجيزة من إقرار الجمعية الوطنية الفنزويلية قانوناً يسمح بالاستثمار الخاص والأجنبي في قطاع النفط، بعد عقدين من سيطرة الدولة المُحكمة.
ويرى ترامب في ذلك فرصة تجارية هائلة لقطاع النفط الأمريكي. وقال في مؤتمر صحفي منتصف يناير/كانون الثاني، عقب اجتماع مع رؤساء شركات الطاقة في البيت الأبيض: "سنستخرج كميات من النفط لم يشهدها كثيرون".
لكن بالنسبة لشركات النفط الأمريكية التي يرغب ترامب بأن تستثمر بكثافة في فنزويلا، يبقى هناك سؤال بسيط: هل تُجدي الأرقام نفعاً؟
يقول ويليام جاكسون، كبير خبراء اقتصاديات الأسواق الناشئة في كابيتال إيكونوميكس، إن هدف الرئيس الأمريكي هو "إنعاش قطاع النفط الفنزويلي واستخدام هذه الطاقة لزيادة الإمدادات وخفض التكاليف على المستهلك، مما قد يوفر مصدر دخل لحكومة فنزويلية أكثر ودًا لإعادة بناء الاقتصاد بعد سنوات من سوء الإدارة".
لكن شركات الطاقة الأمريكية تواجه صعوبات عملية هائلة. فشركة النفط الفنزويلية الحكومية (PDVSA)، لم تعد كما كانت.
واستغلت حكومتا مادورو وسلفه، هوغو تشافيز، الشركة إلى أقصى حد، واستخدمتا الأموال لتمويل الإنفاق الاجتماعي على الإسكان والرعاية الصحية والنقل. لكنهما فشلتا في الاستثمار للحفاظ على مستويات إنتاج النفط، التي انخفضت بشكل حاد في السنوات الأخيرة جزئياً، وليس كلياً، بسبب العقوبات الأمريكية، التي قد يُعاد النظر فيها الآن.
ويضيف جاكسون أنه "في فنزويلا، نتعامل مع معدات تدهورت حالتها نتيجة سنوات طويلة من الإهمال". قبل 10-15 سنة، كانت فنزويلا تنتج مليون ونصف المليون برميل يومياً أكثر مما تنتجه اليوم.
وتتفق الباحثة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي مونيكا دي بول، بأن شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) في وضعٍ حرج.
وتقول لبي بي سي إنه "يجب إلغاء الكثير من الأمور تماماً وإعادة بنائها من الصفر. في الواقع، لو لم تكن القيود السياسية مهمة، لكان الحل الأمثل هو إلغاء شركة (PDVSA)، لكن هذا لن يحدث. إنها رمز قومي كبير، ومرتبطة بالسيادة. هل سيرضى الفنزويليون بتنفيذ ما تطلبه الولايات المتحدة والاستسلام؟ لا أعتقد ذلك".
صدر الصورة، AFP via Getty Images
طلب ترامب من شركات النفط الأمريكية إنفاق ما لا يقل عن 100 مليار دولار (75 مليار جنيه إسترليني) على ترميم البنية التحتية المتهالكة في فنزويلا، وهو شرط أساسي قبل تنفيذ خطته لزيادة المبيعات.
وتمتلك فنزويلا رسمياً 300 مليار برميل من احتياطيات النفط، إلا أنها لم تُصدّر في عام 2023 سوى 211.6 مليون برميل بقيمة تقارب 4 مليارات دولار. بالمقارنة، تمتلك السعودية، صاحبة المركز الثاني، 267 مليار برميل من الاحتياطيات، لكن صادراتها بلغت 181 مليار دولار في ذات الفترة.
وبناء على ما ذكر فإنه على الصعيد النظري على الأقل، فإن هناك مجال للتحسين. لكن يقول جاكسون إن هناك شكوكاً حول الحجم الحقيقي لاحتياطيات النفط الفنزويلية.
وكانت فنزويلا قد أعادت تصنيف احتياطياتها خلال رئاسة تشافيز. ففي السابق، كان يُعتقد أن هناك 80 مليار برميل فقط من النفط القابل للاستخراج، لكن بحلول عام 2011، تضاعف الرقم المُعلن عنه 4 مرات تقريباً. التغيير الإحصائي في ذلك الوقت كان ممكناً بفضل ارتفاع أسعار النفط آنذاك، مما جعل مشاريع بدت غير مجدية تبدو قابلة للتنفيذ.
يقول جاكسون: "كانت هناك قفزة نوعية كبيرة، قفزة أثارت تساؤلات. لكن العالم الآن يعجّ بالنفط، وليس من الواضح ما إذا كانت الحسابات نفسها لا تزال سارية".
عندما تولى تشافيز رئاسة فنزويلا عام 1999، كانت أسعار النفط في ازدياد. وفي أوائل العقد الثاني من الألفية، كان سعر البرميل يصل إلى نحو 100 دولار، مما وفر للحكومة أموالاً طائلة لضخها في البرامج الاجتماعية. لكن مع الأسعار الحالية التي تقارب 65 دولاراً، تبدو البلاد أقل جاذبية للاستثمار.
كما أن نفط فنزويلا أقل جودة مقارنة بنظيره السعودي. فنفطها الخام الثقيل والحامض يصعب استخراجه وتكريره، كما أن ارتفاع نسبة الكبريت فيه يجعله مُسبباً للتآكل في خطوط الأنابيب. وقد يُشكل انتعاش صناعة النفط الفنزويلية مشكلة لكندا، التي تنتج نفطاً مماثلاً في لزوجته وتُصدّر معظمه إلى الولايات المتحدة، لكن المحللين يرون أن المخاطر ضئيلة.
وبحسب دراسة أجرتها كابيتال إيكونوميكس، من المتوقع أن يحافظ النفط الكندي على أسعاره التنافسية، حتى مع زيادة الإنتاج الفنزويلي.
يشار إلى أنه في ذات الوقت أدت الأزمة الاقتصادية في فنزويلا إلى هجرة ما يقرب من 8 ملايين شخص بحثاً عن حياة أفضل. ويشمل ذلك الخبرات الضرورية لاستمرار عمل مضخات النفط: فمع انتقال المهندسين المهرة الذين كانوا يعملون سابقاً في شركة النفط الفنزويلية (PDVSA) إلى العمل في أماكن أخرى، يستمر النظام في العمل بصعوبة بالغة وبطاقم عمل محدود.
يقول توماس واترز، المدير الإداري ورئيس قطاع النفط والغاز في شركة الأبحاث ستاندرد آند بورز غلوبال ريتينغز (S&P Global Ratings)، إن الشركات الأمريكية قادرة على إصلاح البنية التحتية في فنزويلا، لكن يجب أن يكون ذلك مجدياً اقتصادياً.
ويضيف أنه "في نهاية المطاف، يجب على شركات النفط والغاز تحقيق قيمة مضافة للمساهمين. لديهم مديرون أكفاء للغاية. يمكنك بناء أي شيء، طالما كنت قادراً على تحمل تكلفته. لكنك تحتاج إلى سعر نفط يبرر ذلك. ما لم تتمكن من توليد أرباح كافية لتبرير ذلك، فمن الصعب جداً توقع عودة هذا القطاع إلى سابق عهده".
صدر الصورة، Monica de Bolle
إضافة إلى ذلك، سبق أن تضررت شركات النفط الأمريكية من الوضع في فنزويلا. ففي عام 2007، صودرت أصول شركات أمريكية كبرى، من بينها إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، لرفضها السماح لشركة النفط الفنزويلية (PDVSA) بالاستحواذ على أغلبية أسهمها.
ولجأت هذه الشركات إلى المحاكم الدولية وحصلت على تعويضات ضخمة - بلغت 8.3 مليار دولار في قضية كونوكو فيليبس - لم تُدفع حتى الآن.
ونظراً إلى أن النظام الفنزويلي الحالي لا يزال قائماً إلى حد كبير، مع تولي نائبة الرئيس السابقة ديلسي رودريغيز منصب القيادة المؤقتة، فسيتطلب تبديد المخاوف من استحواذ الدولة القسري على الأصول مرة أخرى، جهوداً كبيرة.
وعلاوة على ذلك، صرّح وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت بأن إدارة ترامب لا تعتزم تقديم ضمانات أمنية لشركات النفط في فنزويلا، وهو أمر مثير للقلق في بلدٍ تُمارس فيه جماعات شبه عسكرية مدعومة من الدولة، تُعرف باسم "الكوليكتيفوس"، أنشطتها الإجرامية.
وبدون حوافز حكومية أكبر، ستتردد شركات النفط في خوض غمار هذه المغامرة التي قد تكون مكلفة للغاية. إذاً لا عجب أن يصف دارين وودز، رئيس شركة إكسون موبيل، فنزويلا بأنها "غير جاذبة للاستثمار" في وضعها الراهن.
ومن اللافت للنظر أن ترامب لم يُقدّم أي حوافز لتشجيع الاستثمار، بل هدد بمنع استثمارات إكسون موبيل في فنزويلا.
ويقول دي بول، من معهد بيترسون إن "هذه السياسة تعتمد على الترهيب فقط دون أي حوافز. ويبدو أنهم لا يُدركون حاجتهم إلى الحوافز".
صدر الصورة، AFP via Getty Images
ترى دي بول أن إدارة ترامب لديها "رؤية إمبريالية" لأمريكا اللاتينية، تدفعها إلى اعتبار موارد المنطقة ملكاً لها. وترى أن نفور شركات النفط الخاصة من فنزويلا يُعدّ عائقاً محموداً أمام هذا النوع من الاستيلاء على الموارد.
وتقول إنه "في هذا الوقت، تشعر بالامتنان لأن الولايات المتحدة لا تملك شركة نفط حكومية. وأنهم بحاجة إلى القطاع الخاص، لكن في الوقت الراهن، لا يبدو أن القطاع الخاص مستعدٌّ للتنازل. فأي شركة عاقلة ستستثمر أموالها في فنزويلا؟"
لكن في حال ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي في نهاية المطاف، فهل يُمكن أن يُؤدي ذلك إلى انخفاض أسعار النفط العالمية؟ يرفض المحللون الخوض في هذا الأمر.
يقول جاكسون من كابيتال إيكونوميكس إن "الأمر يعتمد على حجم الزيادة".
ويضيف أن "الوضع متقلب للغاية، وغامض جداً، وهناك بُعد جيوسياسي كبير. نحن في المراحل الأولى فيما يتعلق بالإنتاج الفنزويلي".
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :