الأحد 1 فبراير 2026 10:40 صباحاً صدر الصورة، Estudio Santa Rita
-
- Author, إيميلي كاسريل
- Role, بي بي سي
-
قبل 11 دقيقة
روبوتات الدردشة، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لا تُقاطع المتحدث ولا تصدر أحكاماً عليه، فما الذي تكشفه لنا هذه التقنية عن مفهوم الإنصات باهتمام؟
تقول آنا، وهي مواطنة أوكرانية تقيم في لندن: "أُدرك تماماً أنه آلة، لكنه عملي للغاية ويجيد الإنصات لي كلما احتجت أنا اتحدث"، وهي تشير بذلك إلى استخدامها المنتظم للنسخة المميزة من روبوت الدردشة "تشات جي بي تي" المدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتضيف آنا، التي امتنعت عن ذكر اسمها الحقيقي لبي بي سي حفاظاً على خصوصيتها، أن ما تعتبره قيمة حقيقية ليس بالضرورة النصائح التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، بل قدرته على توفير مساحة للتأمل ومراجعة النفس.
وتفسر قائلة: "لديّ سجل طويل من التفاعل معه، لذا اعتمد عليه دوما في فهم مشكلاتي والتواصل معي بالأسلوب الذي يناسبني"، كما تعترف بأن هذا الأمر قد يبدو غريباً بالنسبة لكثيرين، بمن فيهم أفراد أسرتها والأصدقاء، وهو ما دفعها إلى طلب عدم الكشف عن هويتها.
وتقول إنه عندما أنهت مؤخراً علاقتها مع صديقها، اكتشفت أن الإنصات باهتمام، الذي يتيحه الذكاء الاصطناعي، أتاح لها ما لم يتمكن أصدقاؤها وعائلتها، بدافع حمايتهم لها، من تقديمه، إذ سارعوا إلى إطلاق أحكام فورية على شريكها السابق قائلين: "إنه شخص أحمق".
وبدلاً من إصدار أحكام، أتاح لها الذكاء الاصطناعي مساحة لفهم الذات، وذلك خلال سعيها إلى تحليل مشاعرها المتداخلة والمتناقضة.
ولا تقتصر هذه التجربة على آنا وحدها، إذ تشير دراسات حديثة صادرة من مؤسسة "هارفارد بيزنس ريفيو" البحثية إلى أن العلاج النفسي والاستماع للأخرين شكّلا، في عام 2025، الاستخدام الأكثر شيوعاً للذكاء الاصطناعي، من خلال منظومة أدوات مثل "تشات جي بي تي"، القادرة على إدارة حوار قريب من التفاعل البشري.
صدر الصورة، Getty Images
بيد أن الشيء الأكثر جذباً للانتباه كان ما أظهرته الدراسات من أن الاستجابات النصية التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي باتت تُصنَّف على أنها أكثر تعاطفاً من تلك التي يكتبها البشر، حتى عندما يكون هؤلاء البشر مستجيبين متخصصين في مجالات الدعم وإدارة الأزمات، ولا يعكس ذلك تفوقاً حقيقياً بالنسبة لمساحة التعاطف التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يمثل إدانة واضحة لندرة الإنصات دون إصدار أحكام في العلاقات الإنسانية.
وعندما أفصح الباحثون عن هوية أصحاب الردود، ظل المستخدمون يعتبرون الاستجابة التي يتيحها "تشات جي بي تي" أكثر فهماً واهتماماً للمشاعر، الأمر الذي يكشف عن تعطش شديد لدى الأفراد لثقافة الإنصات المتواصل الذي يخلو من الدفاع.
وقال مشاركون، في دراسة أخرى، إن تفاعلهم مع ردود صاغها الذكاء الاصطناعي منحتهم شعوراً أكبر بالأمل، وقلّل من مشاعر الضيق والانزعاج مقارنة بتفاعلهم مع ردود بشرية.
وعلى الرغم من ذلك، ينبغي التذكير بأن روبوتات الدردشة لا تمارس تعاطفاً حقيقياً، وإنما تحاكيه اعتماداً على ما تستخدمه من بيانات ضخمة ناتجة عن تفاعلات بشرية سابقة.
وتكشف المفارقة عن وجود جوانب جوهرية من القصور البشري في مهارة الإنصات، وقد يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه مستمع أفضل مقارنة بإنسان حقيقي، فحين تهيمن أجنداتنا الشخصية، وخلفياتنا الذاتية، ومحفزاتنا العاطفية على التفاعل، يتعذر تحقق الإنصات الشديد بمعناه الحقيقي.
ولا يهدف هذا الطرح إلى دعوة الناس إلى استبدال العلاقات الإنسانية الواقعية بنماذج لغوية ضخمة، لكنه يلفت إلى وجود دروس مهمة يمكن للبشر أن يتعلموها من هؤلاء "المستمعين" القائمين على استخدام الشفرات البرمجية.
أهمية الإنصات دون مقاطعة
صدر الصورة، Getty Images
لعل الدرس الأهم الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي يتمثل في إتاحة مساحة للآخرين للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم دون مقاطعة، فالبشر يميلون إلى المقاطعة لأسباب عديدة، منها الخشية من الصمت المحرج، أو رغبة منهم في "المساعدة" لصياغة الأفكار، أو اختصاراً للوقت من خلال تقديم ردود يرونها أكثر كفاءة، أو حتى تأكيد التفوق بدون إدراك، بيد أن مقاطعة الحديث هذه، مهما حسنت نواياها، تحد من استقلالية المتحدث وتمنع تطور أفكاره بصورة طبيعية.
وأظهرت دراسات أن مقاطعة الحديث خلال المحادثات الهاتفية، على سبيل المثال، تؤدي إلى تراجع إدراك المتحدث لتعاطف الطرف الآخر.
في المقابل، لا تمتلك النماذج اللغوية الضخمة دوافع أو رغبات شخصية، فهي مجهزة بطريقة توافقية تهدف إلى الحفاظ على تفاعل المستخدمين معها، ومن ثم، فهي تُظهر صبراً دائماً ولا تعاني من إرهاق التعاطف مقارنة بالبشر، وعلى الرغم من أن هذا المستوى من الصبر ليس من المستوى الذي يمكن للبشر بلوغه أو السعي إليه، فإن عدم مقاطعة الحديث يظل أداة قوية لتعزيز جودة الإنصات.
رصد المشاعر
كان عالم النفس، كارل روجرز، مدركاً بأن الاعتراف بالمشاعر يُعد ركيزة أساسية للإنصات الفعّال، وتقول أنات بيري، الباحثة المتخصصة في التعاطف في الجامعة العبرية في القدس في إسرائيل، إن النماذج اللغوية الضخمة مجهزة لتحديد المشاعر وتصنيفها، ثم طرحها بطريقة عكسية في استجابات تبدو وكأنها متعاطفة.
وأظهرت نتائج إحدى التجارب أن روبوت الدردشة "بينغ تشات"، وهو الإصدار السابق لأداة "كوبايلوت" التابعة لمايكروسوفت، تفوق على المستجيبين من البشر في دقة التعرف على مشاعر السعادة والحزن والخوف والاشمئزاز، بينما كان أداؤه مماثلاً لأداء البشر في رصد مشاعر الغضب والمفاجأة.
وعلى الرغم من أن النماذج اللغوية الضخمة لا تختبر هذه المشاعر بصورة حقيقية، فإنها قادرة على تمييزها وإعادة طرحها بطريقة عكسية في استجاباتها، بما يعزز إحساس المتحدث بأنه محل إنصات.
كما أظهرت الدراسات أن منصات الذكاء الاصطناعي التي تُظهر فهماً لتعقيد المشاعر في ردودها يمكن أن تسهم في إعادة صياغة أنماط تفكير المستخدمين وتعزيز قدرتهم على الصمود النفسي.
احتواء المشاعر الصعبة
صدر الصورة، Getty Images
يتجنب البشر، بدافع فطري، الاعتراف بالمشاعر الصعبة، سواء تلك التي يختبرونها بأنفسهم أو التي يعبّر عنها الآخرون.
فعندما يخبرنا أحد الأقارب، على سبيل المثال، بوفاة قطته في حادث مأساوي، نبادر غالباً إلى التخفيف عنه بعبارات مثل: "لقد عاشت لونا (القطة) حياة طويلة وسعيدة وكانت محاطة بالمحبة حتى النهاية"، بيد أن هذا النوع من الردود يتجاهل فعلياً مشاعر الحزن والضيق التي يشعر بها المتحدث، وعلى النقيض، تُظهر أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرة أكبر على التعامل مع المواقف المرتبطة بالمعاناة والحزن مقارنة بتفاعلها مع المشاعر الإيجابية.
وتقول داريا أوفسيانيكوفا، الباحثة في مجال الصحة الإدراكية بجامعة تورنتو في كندا، إن كثيراً من الناس يترددون في تحميل المستمعين البشر أعباء مخاوفهم وقلقهم، وهو ما يفسر إدراكهم للذكاء الاصطناعي بوصفه أكثر تعاطفاً.
ويتيح الذكاء الاصطناعي بديلاً لا يحمّل المستمع عبئاً نفسياً، فتوفير مساحة للتعبير عن المشاعر الصعبة يمنح المتحدث إحساساً بالأمان في مواجهة أفكاره المعقّدة، الأمر الذي يساعد ويزيد من قدرته على تجاوزها.
استجابة بدون إصدار أحكام
ارتبط بقاء الإنسان تاريخياً بقدرته على إصدار أحكام سريعة، إذ يُعد التمييز بين الصديق والعدو ضرورة تطورية، بيد أن هذه الأحكام، التي غالباً تُنقل لا شعورياً من خلال تعبيرات دقيقة مثل عقد الحاجبين، قد تكون مدمرة لمن يشارك أفكاراً هشة، وقد أظهرت الدراسات أن هذا الأثر يكون واضحاً بشكل خاص لدى الأطفال الصغار.
وعلى النقيض، يتيح الذكاء الاصطناعي للمستخدمين قدراً من التحرر من الأحكام الاجتماعية، الأمر الذي يخلق شعوراً بالأمان النفسي الذي يسهم في التشجيع على مزيد من الإفصاح الصريح.
ويبرز ذلك أهمية أن يتنبه المستمع من البشر إلى أحكامه الذاتية، وأن يعمل بوعي على تعليقها، حتى يشعر المتحدث معه بحرية أكبر في التعبير.
تحديد نوع المشاعر
نظراً لوجود مهام ذهنية عديدة نواجهها، لا يركز المستمع غير المتخصص عادة على تتبع أنماط القلق المختلفة التي يذكرها شخص ما، أو المشاعر المتعددة التي عبّر بها عن علاقته بوالدته، على سبيل المثال، في المقابل، تتفوق خوارزميات الذكاء الاصطناعي في التعرف على هذه الأنماط، مستندةً إلى كم هائل من البيانات، بما في ذلك الأفكار غير المتماسكة، لالتقاط أدق الخيوط ونسجها في صورة غنية بالمعنى.
وعند الإنصات الإنساني، يمكننا نحن أيضاً أن نعكس للمتحدث ليس تفاصيل التكرار العاطفي، بل خلاصة مشاعرنا العامة تجاه قضية معينة، بل وحتى مشاعره تجاه حمل تلك العاطفة، وقد تمثل هذه الأنماط فرصة ثمينة لاستخلاص المعنى أو إعادة رؤية القصة الشخصية من منظور جديد، فالسرد وسيلة جوهرية لفهم الإنسان للعالم.
مقاومة نزعة تقديم الحلول
صدر الصورة، Estudio Santa Rita
يرى كثيرون، ولا سيما من يشغلون مواقع قيادية أو أدواراً أبوية، أن قيمتهم تبرز في تقديم خلاصة حكمتهم ونصائحهم العملية، كما تشير الملاحظات إلى أن الرجال يميلون أكثر من النساء إلى تقديم حلول غير مطلوبة لمعالجة مشكلات الآخرين.
بيد أن الدراسات تظهر أن امتناع الذكاء الاصطناعي عن طرح اقتراحات عملية، مقابل تركيزه على الدعم العاطفي، يعزّز شعور المتحدث بأنه محل إنصات حقيقي، وهو سلوك يمكن للبشر تبنّيه بإدراك.
تفادي فخ "أنا أيضاً"
عندما يشاركنا شخص تجربة شاقة، مثل سيدة تعرضت لإجهاض، أو مدير شديد الصعوبة، أو مشكلة مفاجئة في المنزل، غالباً نبادل هذا الشخص سرد تجربة مماثلة من حياتنا، ونعتقد أن ذلك يعبّر عن التعاطف ويبني جسوراً للتواصل، لكنه في الواقع ينقل مركز الاهتمام من المتحدث إلى المستمع، فبمجرد أن نبدأ سرد قصتنا، نتوقف عن الإنصات إلى القصة التي كان يطرحها الطرف الآخر.
بيد أن النماذج اللغوية الضخمة لا تقع في هذا الفخ لأنها تفتقر إلى الخبرات الشخصية، في حين يستطيع البشر الوقوع فيه، الأمر الذي يجعل من الممكن لهم أن يتبنّوا عمداً إبقاء محور الحديث منصباً على المتحدث.
حدود تعاطف الخوارزميات
على الرغم من هذه الإيجابيات، ينطوي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، بوصفه أداة إنصات، على أخطار متعددة، ففي ظل تقدم التكنولوجيا وتطوير صور رمزية تحاكي البشر من حيث الشكل والصوت والإحساس، وتقترب من صورة "المستمع المثالي"، بل وقد تنقل استجابات تحاكي اللمس، تتزايد في ذات الوقت الإمكانات والفوائد، وكذلك الأخطار المحتملة.
ويحذر مايكل إنزليخت، عالم نفس بجامعة تورنتو في كندا، والمتخصص في أبحاث الذكاء الاصطناعي والتعاطف، من السيطرة المحتملة التي قد تمتلكها شركات الذكاء الاصطناعي في التأثير على الأفراد الأكثر عرضة للهشاشة النفسية، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم نصائح خطيرة، أسهمت في بعض الحالات في دفع أشخاص إلى الانتحار.
كما تؤدي هذه التقنيات على الأرجح إلى تفضيل بعض الأفراد إقامة علاقة مع روبوت الدردشة، بدلاً من تنمية روابط إنسانية أكثر عمقاً ومعنى، نتيجة التعود على مشاعر التعاطف غير المحدودة والاهتمام الإيجابي الدائم على مدار الساعة، بصرف النظر عن مضمون ما يقولونه أو يفعلونه.
علاوة على ذلك قد يؤدي التفاعل المستمر مع النماذج اللغوية الضخمة إلى إضعاف مهارات التواصل الإنساني لدى الأفراد أو تقليل حافزهم للسعي إلى إقامة علاقات بشرية حقيقية، الأمر الذي يترتب عليه آثار واسعة ومعقّدة على المجتمعات.
ويرى إنزليخت، كخطوة أولى، أن تُعاد مواءمة هذه النماذج لإدخال قدر محدد من "التفاعل" في المحادثات، بما يسهم في تعزيز وعي المستخدمين باحتياجات الآخرين.
لا بديل عن العلاقات الإنسانية
لا يزال التواصل الإنساني يحمل معاني فريدة وذلك عندما يختار شخص أن يكرّس وقته، على حساب رغبات أخرى، من أجل الإنصات فقط لشخص آخر وإتاحة المجال له لسرد قصته. هذا الحضور الواعي يُنشئ شكلاً من أشكال الاتصال والتعاطف والرفقة يختلف جوهرياً عن التفاعل مع أنظمة مبرمجة ومصممة لتحقيق الشعور بالرضا دون امتلاك القدرة على اهتمام حقيقي.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يلهم البشر ليصبحوا مستمعين أفضل، بل ويساعد في تنمية التعاطف، كما قد يشكل مورداً مهماً لمن يفتقرون إلى شبكة دعم بشرية، على شريطة وجود ضوابط مناسبة.
وعلى الرغم من ذلك فإن الإنصات بتركيز إلى إنسان آخر بدافع الفهم الصادق لإنسانيته، وأن يحظى المرء بإنصات مماثل، يحمل طاقة تحويلية لا تزال التفاعلات مع الذكاء الاصطناعي عاجزة عن مضاهاتها.
وكما يعلم كل من اختبر يوماً معنى إنصات شخص آخر إليه بصدق، لن تبلغ التفاعلات مع الذكاء الاصطناعي هذا الأثر على الإطلاق.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :