الاثنين 19 يناير 2026 02:52 صباحاً صدر الصورة، Getty Images
-
- Author, وليد بدران
- Role, بي بي سي
-
قبل 6 دقيقة
في 19 يناير/كانون الثاني، تمر 60 عاماً على تولي أنديرا غاندي منصب رئيسة وزراء الهند، إذ تقلدت هذا المنصب في مثل هذا اليوم من عام 1966، لتكسر احتكار الرجال للسلطة التنفيذية العليا، وتفتح الباب أمام حضور نسائي غير مسبوق في السياسة الهندية.
وقد ارتبط اسمها لاحقاً بقرارات جريئة، وسياسات مثيرة للجدل، وأحداث مفصلية ما زالت آثارها حاضرة في الحياة السياسية الهندية حتى اليوم. وتعد أنديرا بريادارشيني غاندي واحدة من أبرز الشخصيات السياسية في تاريخ الهند الحديث، ليس فقط لأنها أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء، بل لأنها حكمت أكبر الديمقراطيات في العالم في فترات شديدة التعقيد داخلياً وخارجياً.
ولدت في 19 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1917 في مدينة الله آباد في الهند، وتوفيت في 31 أكتوبر/تشرين الأول عام 1984 في نيودلهي. وهي سياسية هندية، وكانت أول امرأة تتولى منصب رئيسة وزراء الهند، إذ شغلت المنصب لثلاث ولايات متتالية بين عامي 1966 و1977، ثم ولاية رابعة من عام 1980 حتى اغتيالها عام 1984.
البدايات والصعود
صدر الصورة، Getty Images
كانت أنديرا نهرو الابنة الوحيدة لجواهر لال نهرو، أحد أبرز الشخصيات في نضال الهند من أجل الاستقلال عن بريطانيا، وزعيماً بارزاً في حزب المؤتمر الوطني الهندي الذي ظل مهيمناً لفترة طويلة، كما كان أول رئيس وزراء للهند المستقلة بين عامي 1947 و1964. أما جدها، موتيلال نهرو، فكان من رواد حركة الاستقلال، وارتبط ارتباطاً وثيقاً بموهانداس "المهاتما" غاندي.
والتحقت أنديرا لمدة عام واحد بجامعة فيسفا-بهاراتي في شانتينيكيتان، الواقعة حالياً في بولبور بولاية البنغال الغربية، ثم درست عاماً آخر في جامعة أكسفورد في إنجلترا، وانضمت إلى حزب المؤتمر عام 1938.
ولا يعود لقبها "غاندي" إلى المهاتما غاندي، الزعيم الأسطوري لحركة الاستقلال ومؤسس حزب المؤتمر، بل إلى زوجها فيروز غاندي، المحامي وعضو حزب المؤتمر، الذي تزوجته عام 1942. وأنجب الزوجان طفلين هما سانجاي وراجيف غاندي.
وقد أمضى الزوجان 13 شهراً في السجن بتهمة التحريض، بعد مشاركتهما في النضال ضد الحكم البريطاني في الهند خلال أربعينيات القرن الماضي.
إلا أن العلاقة بين الزوجين اتسمت بالفتور والانفصال لفترات طويلة خلال زواجهما، وتوفي فيروز غاندي عام 1960.
وكانت والدة أنديرا غاندي، كمالا نهرو، قد توفيت في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين كثيراً ما اضطلعت أنديرا بدور مضيفة والدها في المناسبات الرسمية، ورافقته في رحلاته.
وبوصول حزب المؤتمر إلى السلطة عام 1947 مع تولي والدها رئاسة الوزراء، أصبحت غاندي عضواً في اللجنة التنفيذية للحزب عام 1955.
وفي عام 1959، انتخبت لمنصب رئيسة الحزب، وهو منصب كان شرفياً إلى حد كبير. كما عينت عضواً في مجلس الولايات (راجيا سابها)، الغرفة العليا في البرلمان الهندي، عام 1964. وفي العام نفسه، عينها لال بهادور شاستري، الذي خلف نهرو في رئاسة الوزراء، وزيرة للمعلومات والإعلام في حكومته.
رئاسة للحكومة
صدر الصورة، Getty Images
عقب الوفاة المفاجئة لشاستري في يناير/كانون الثاني عام 1966، اختيرت غاندي زعيمة لحزب المؤتمر، لتصبح بذلك أيضاً رئيسة للوزراء، في إطار تسوية بين الجناحين اليميني واليساري داخل الحزب. غير أن قيادتها ظلت موضع تحدّ مستمر من الجناح اليميني، الذي كان يقوده وزير المالية السابق مورارجي ديساي.
وفي انتخابات عام 1967، فازت بمقعد في مجلس النواب (لوك سابها)، الغرفة السفلى في البرلمان الهندي، لكن حزب المؤتمر لم يتمكن إلا من تحقيق أغلبية ضئيلة من المقاعد، ما اضطر غاندي إلى قبول ديساي نائباً لرئيس الوزراء.
غير أن التوترات داخل الحزب تصاعدت، وفي عام 1969 جرى طردها منه على يد ديساي وأعضاء آخرين من "الحرس القديم". ولم تثنِها هذه الخطوة عن المضي قدماً، إذ قامت غاندي، مدعومةً بغالبية أعضاء الحزب، بتشكيل فصيل جديد التفّ حولها، عُرف باسم حزب المؤتمر "الجديد".
وفي انتخابات مجلس النواب عام 1971، حقق جناح المؤتمر الجديد فوزاً انتخابياً كاسحاً على تحالف من الأحزاب المحافظة. وفي أواخر عام 1971، دعمت غاندي بقوة باكستان الشرقية، التي تعرف اليوم ببنغلاديش، في صراعها الانفصالي مع باكستان. وحققت القوات المسلحة الهندية نصراً سريعاً وحاسماً على باكستان، أدى إلى قيام دولة بنغلاديش، وكانت غاندي أول زعيمة حكومة تعترف بالدولة الجديدة.
وفي مارس/آذار عام 1972، وبفعل الزخم الذي ولدته نجاحات البلاد في الحرب ضد باكستان، قادت غاندي مرة أخرى جناح حزب المؤتمر "الجديد" إلى تحقيق انتصارات كاسحة في عدد كبير من انتخابات المجالس التشريعية في الولايات.
بعد ذلك بوقت قصير، وجّه راج ناراين، خصمها من الحزب الاشتراكي الذي هزم أمامها في الانتخابات الوطنية عام 1971، اتهامات لها بانتهاك قوانين الانتخابات خلال تلك المنافسة.
وفي يونيو/حزيران عام 1975، أصدرت المحكمة العليا في الله آباد حكماً ضدها بسبب مخالفات انتخابية، ما كان يعني حرمانها من مقعدها في البرلمان وإلزامها بالابتعاد عن العمل السياسي لمدة ست سنوات.
وقد طعنت في الحكم أمام المحكمة العليا، لكنها لم تحصل على استجابة مرضية، إذ سمح لها بالاستمرار في منصب رئيسة الوزراء، غير أن الامتيازات التي كانت تتمتع بها بصفتها عضواً في البرلمان أُلغيت، كما منعت من التصويت.
حالة الطوارئ
صدر الصورة، Getty Images
في 25 يونيو/حزيران عام 1975، أعلن الرئيس الهندي فخر الدين علي أحمد حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، بناءً على نصيحة غاندي. وكانت حالة الطوارئ قد أعلنت في مناسبتين سابقتين، وكلتاهما في زمن الحرب: خلال حرب عام 1962 مع الصين، وحرب عام 1971 التي أسفرت عن قيام دولة بنغلاديش. أما الحالة الثالثة، التي طبقت فيها حالة "الطوارئ" في الهند، فقد استمرت 21 شهراً، وخلالها أمرت غاندي بسجن خصومها السياسيين وتولت صلاحيات استثنائية.
وخلال تلك الفترة، سنت قوانين جديدة عديدة حدت من الحريات الشخصية، واستخدمت قوانين الاعتقال الوقائي لسجن شخصيات سياسية مثل ديساي وراج ناراين، وقادة بارزين مثل جايابراكاش نارايان وجورج فرنانديز، اللذين كانا قد نظما حركات طلابية وإضرابات عمالية.
كما نفذت غاندي خلال تلك المرحلة عدداً من السياسات غير الشعبية، من بينها برنامج واسع النطاق للتعقيم بوصفه وسيلة للحد من النسل.
وشهدت تلك الفترة أيضاً حملة حكومية واسعة ضد النقابات العمالية وحقوق العمال، إضافة إلى حملة هدم في دلهي أدت إلى تهجير آلاف الأشخاص. وأطلقت الشرطة النار على تجمعات مدنية في مناسبتين: الأولى خلال عملية هدم عند بوابة تركمان في دلهي في أبريل/نيسان عام 1976، والثانية أثناء احتجاج ضد سياسة التعقيم في مدينة مظفرنغر بولاية أوتار براديش في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وبينما لا يزال عدد القتلى محل خلاف، فإن من المؤكد أن عدداً كبيراً من الأشخاص قتلوا.
واتسمت تلك الفترة بفرض رقابة صارمة على الصحافة، التي كانت في معظمها تنتقد استحواذ غاندي على صلاحيات الطوارئ والسياسات التي نفذتها. وامتدت الرقابة لتشمل الأعمال الثقافية التي تناولت مرحلة الطوارئ، إذ حظرت الحكومة عدداً من الأفلام التي أنتجت آنذاك وتناولت هذا الموضوع.
الخروج من السلطة والعودة إليها
صدر الصورة، Getty Images
كان الرفض الشعبي لحالة الطوارئ، التي استمرت نحو عامين، عنيفاً وواسع النطاق. وبعد انتهائها في مطلع عام 1977، كان خصوم غاندي السياسيون الذين أفرج عنهم مصممين على إقصائها وحزب المؤتمر "الجديد" عن السلطة.
وعندما أجريت الانتخابات البرلمانية الوطنية، التي طال انتظارها، في وقت لاحق من عام 1977، منيت هي وحزبها بهزيمة ساحقة، وعلى إثر ذلك غادرت منصبها. وتولى حزب جاناتا، الذي يعد سلف حزب بهاراتيا جاناتا الحالي، زمام الحكم، مع تولي العضو المنضم حديثاً مورارجي ديساي رئاسة الوزراء.
وفي مطلع عام 1978، أكملت غاندي وأنصارها الانفصال عن حزب المؤتمر بتأسيس حزب المؤتمر "آي"، حيث يرمز الحرف "آي" إلى اسم أنديرا. وقد سجنت لفترة وجيزة، في أكتوبر/تشرين الأول من عام 1977 وديسمبر/كانون الأول من عام 1978، بتهم تتعلق بالفساد.
ورغم هذه الانتكاسات، فازت بمقعد جديد في مجلس النواب (لوك سابها) في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1978، وبدأ حزب المؤتمر (آي) في استعادة زخمه وقوته.
وأدت الخلافات داخل حزب جاناتا الحاكم إلى سقوط حكومته في أغسطس/آب من عام 1979. وعندما أجريت انتخابات جديدة لمجلس النواب في يناير/كانون الثاني من عام 1980، عادت غاندي وحزب المؤتمر (آي) إلى السلطة مجدداً بفوز كاسح. كما فاز ابنها سانجاي غاندي، الذي أصبح مستشارها السياسي الأبرز، بمقعد في مجلس النواب، وأسقطت جميع القضايا القانونية المرفوعة ضد الأم وابنها.
غير أن وفاة سانجاي غاندي في حادث تحطم طائرة في يونيو/حزيران من عام 1980 قضت على خليفة أنديرا غاندي الذي كانت قد اختارته لقيادة الهند سياسياً. وبعد وفاته، بدأت أنديرا في إعداد ابنها الآخر، راجيف غاندي، لتولي قيادة حزبها.
وظلت متمسكة بالسياسات شبه الاشتراكية للتنمية الصناعية التي كان قد أطلقها والدها. وإضافة إلى ذلك، أقامت علاقات أوثق مع الاتحاد السوفييتي، الذي اعتمدت عليه في دعم الهند في صراعها الطويل الأمد مع باكستان.
وخلال أوائل الثمانينيات، واجهت أنديرا غاندي ما اعتبرته تهديدات لوحدة البلاد، إذ سعت عدة ولايات إلى الحصول على قدر أكبر من الاستقلالية عن الحكومة المركزية، بينما لجأ الانفصاليون السيخ في ولاية البنجاب إلى استخدام العنف للمطالبة بالحكم الذاتي.
وفي عام 1982، احتل عدد كبير من السيخ، بقيادة سانت جارنيل سينغ بهندرانوالي، مجمع هارمندير صاحب (المعبد الذهبي) في أمريتسار، أقدس مكان ديني للسيخ، وقاموا بتحصينه.
وتصاعدت التوترات بين الحكومة والسيخ. وفي يونيو/حزيران من عام 1984، أمرت غاندي بتنفيذ عملية "النجم الأزرق"، التي شنت فيها القوات المسلحة الهندية هجوماً لطرد الانفصاليين من المجمع.
وأصيبت بعض المباني في المجمع بأضرار بالغة خلال القتال. وقد قتل أكثر من 80 جندياً ومئات الحجاج السيخ، وفقاً لمسؤولي الحكومة، بينما تشير تقديرات السيخ لعدد القتلى إلى أرقام أعلى بكثير، ما يوحي بأن عدد الجنود والمدنيين الذين قتلوا قد يكون بالآلاف.
الوفاة والإرث
صدر الصورة، Getty Images
بعد خمسة أشهر، وتحديداً في 31 أكتوبر/تشرين الأول من عام 1984، قتلت أنديرا غاندي في حديقة منزلها في نيودلهي، برصاص أطلقه عليها اثنان من حراسها السيخ، انتقاماً للهجوم في أمريتسار.
وقد هز اغتيالها الهند والعالم، وأعقبه اندلاع أعمال عنف طائفية دامية، ولا سيما في العاصمة نيودلهي، حيث لقي نحو ألف شخص، معظمهم من السيخ، حتفهم خلال أربعة أيام من أعمال الشغب التي أعقبت اغتيالها.
وبمقتلها، انتهت حياة سياسية حافلة بالإنجازات والتناقضات، وخلفها في منصب رئيسة الوزراء ابنها راجيف غاندي، الذي شغل المنصب حتى عام 1989.
ولا يزال إرث أنديرا غاندي محل جدل حتى اليوم. فمن جهة، تذكر بوصفها قائدة قوية عززت مكانة الهند الدولية، ودافعت عن الفقراء، وكسرت الحواجز أمام النساء في أعلى مواقع السلطة.
ومن جهة أخرى، تنتقد بشدة بسبب ما يعتبره منتقدوها نزعتها السلطوية، وانتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة الطوارئ، وترسيخها لنمط الحكم الفردي داخل حزب المؤتمر والدولة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن أنديرا غاندي شكلت علامة فارقة في التاريخ السياسي للهند، إذ أعادت تعريف دور القيادة، ووسعت حدود الممكن أمام النساء في السياسة، وتركَت بصمة عميقة ما زالت تناقَش وتقيم بعد عقود من رحيلها.
ولا شك أن فهم مسيرتها يتيح فهماً أعمق لتطور الدولة الهندية الحديثة، وللتوازن الدقيق بين الديمقراطية والسلطة في واحدة من أكثر دول العالم تنوعاً وتعقيداً.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :