الثلاثاء 13 يناير 2026 04:04 صباحاً صدر الصورة، Telegram
كانت ألسنة اللهب تلتهم حواف جواز سفر عمر، حينما قالت امرأة غير مرئية في فيديو باللغة الروسية "إنه يحترق جيداً".
أُرسل عمر، وهو عامل بناء سوري يبلغ من العمر 26 عاماً، إلى الخطوط الأمامية في حرب روسيا على أوكرانيا لنحو تسعة أشهر عندما وصل المقطع إلى هاتفه.
عَرفَ عمر صوت المرأة. إنها بولينا ألكسندروفنا أزارنيخ، التي يقول إنها ساعدته على التسجيل للقتال لصالح روسيا، واعدةً إياه بعمل مربح وبالحصول على الجنسية الروسية. لكنها الآن غاضبة.
وفي سلسلة من الرسائل الصوتية أرسلها من أوكرانيا، يروي عمر، متحدثاً باسم مستعار حفاظاً على سلامته، كيف انتهى به الأمر محاصراً ومرعوباً في منطقة الحرب.
ويقول إن أزارنيخ وعدته بأنه إذا دفع لها 3 آلاف دولار فستضمن بقاءه في دور غير قتالي. لكنه يقول إنه أُرسل إلى المعركة بعد 10 أيام فقط من التدريب، فرفض الدفع، لتردّ هي لاحقاً بحرق جواز سفره.
ويضيف أنه حاول رفض المشاركة في إحدى المهام، لكن قادته هددوه بالقتل أو السجن.
ويقول عمر: "لقد خُدعنا… هذه المرأة محتالة وكاذبة".
صدر الصورة، Telegram
تتبع تحقيق أجرته بي بي سي آي كيف تستخدم أزارنيخ، وهي مدرسة سابقة تبلغ من العمر 40 عاماً، قناة على تطبيق تيليغرام لاستدراج شبان، غالباً من دول فقيرة، للانضمام إلى الجيش الروسي.
وتعرض المُدرّسة السابقة، من خلال رسائل فيديو مبتسمة ومنشورات متفائلة، "عقوداً لمدة عام" لـ"الخدمة العسكرية".
وقد رصدت خدمة بي بي سي العالمية ما يقرب من 500 حالة قدمت فيها أزارنيخ وثائق، يشار إليها بالدعوات، وتسمح للمتلقي بدخول روسيا للانضمام إلى الجيش. وكانت هذه الدعوات مخصصة للرجال - معظمهم من سوريا ومصر واليمن - ويبدو أنهم أرسلوا لها تفاصيل جوازات سفرهم من أجل التجنيد.
لكن مجندين وأقاربهم أبلغوا بي بي سي أنها ضللت الرجال بإيهامهم بأنهم سيتجنبون الانخراط في القتال، ولم توضح لهم أنه لا يمكنهم المغادرة بعد عام، بل وهددت من ينتقدها. وعندما تواصلت معها بي بي سي، نفت أزارنيخ هذه الادعاءات.
كما أبلغتنا 12 عائلة عن شبان، يقولون إنها جندتهم، وهم الآن إما متوفون أو مفقودون.
صدر الصورة، AFP via Getty Images
وعلى الصعيد الداخلي، وسّعت روسيا نطاق التجنيد الإجباري، وجنّدت السجناء، وقدّمت مكافآت انضمام سخية بشكل متزايد للحفاظ على وجودها في أوكرانيا، رغم الخسائر الفادحة.
ومنذ الغزو الشامل عام 2022، قُتل أو جُرح أكثر من مليون جندي روسي، منهم 25 ألف قتيل في شهر ديسمبر/كانون الأول 2025 وحده، وفقاً لحلف الناتو.
وتشير دراسة أجرتها بي بي سي نيوز القسم الروسي، استناداً إلى نعايا وسجلات وفيات أخرى متاحة للعامة، إلى أن خسائر القوات الروسية في أوكرانيا ارتفعت بوتيرة غير مسبوقة العام الماضي.
ويصعب تحديد عدد الأجانب الذين انضموا إلى الجيش الروسي. ويشير تحليل بي بي سي الروسية - الذي تناول أيضاً عدد الأجانب الذين قُتلوا وجُرحوا - إلى أن ما لا يقل عن 20 ألفاً ربما التحقوا بالقتال، بينهم أشخاص من دول مثل كوبا ونيبال وكوريا الشمالية.
وتكبّدت أوكرانيا خسائر فادحة في صفوف قواتها أيضاً، كما ضمّت مقاتلين أجانب إلى صفوفها.
"جثث في كل مكان"
كان أول تواصل لعمر مع أزارنيخ عندما تقطعت به السبل في مطار موسكو في مارس/آذار 2024، برفقة 14 سورياً آخرين، ولم يكن معه سوى القليل من المال.
كما كانت فرص العمل في سوريا نادرة وذات أجور متدنية. يقول عمر إن أحد سماسرة التوظيف هناك عرض على الرجال ما ظنوه عملاً مدنياً لحراسة منشآت نفطية في روسيا. سافروا إلى موسكو، ليكتشفوا لاحقاً أنهم وقعوا ضحية عملية احتيال.
يقول عمر إنه أثناء بحثهم عن خيارات عبر الإنترنت، عثر أحد أفراد المجموعة على قناة أزارنيخ وأرسل لها رسالة.
استقبلتهم في المطار في غضون ساعات، ونقلتهم بالقطار إلى مركز تجنيد في بريانسك، غرب روسيا، كما يقول.
ويقول عمر أن أزارنيخ عرضت عليهم عقوداً لمدة عام مع الجيش الروسي، براتب شهري يعادل نحو 2500 دولار أمريكي، ورسوم اشتراك قدرها 5000 دولار أمريكي، وهي مبالغ لم يكونوا ليحلموا بها في سوريا.
ويشرح عمر أن العقود كانت مكتوبة باللغة الروسية، التي لم يفهمها أي من الرجال، وأخذت جوازات سفرهم، ووعدتهم بترتيب حصولهم على الجنسية الروسية. ويقول إنها وعدتهم أيضاً بأنهم سيتجنبون الأدوار القتالية إذا دفعوا لها 3000 دولار عن كل واحد منهم كرسوم للتسجيل.
صدر الصورة، Global Images Ukraine via Getty Images
لكنه يقول إنه في غضون شهر تقريباً، وجد نفسه في الخطوط الأمامية، بعد عشرة أيام فقط من التدريب، ودون أي خبرة عسكرية.
ويقول في إحدى رسائله الصوتية، التي أرسلها إلى فريق التحقيق في بي بي سي: "سنموت هنا بنسبة مئة في المئة".
ويضيف أنه في مايو/أيار 2024 وقعت: "إصابات كثيرة، انفجارات كثيرة، قصف مدفعي كثيف. وإن لم تمت من الانفجار، فستموت من الشظايا المتساقطة عليك".
وتابع في الشهر التالي: "جثث في كل مكان... لقد دُست على جثث، سامحني يا الله".
ويقول "رأيت ذلك بأم عيني إنه إذا مات أحدهم، يضعونه في كيس قمامة ويرمونه بجوار شجرة".
وبعد نحو عام، اكتشف ما يقول إن أزارنيخ لم توضحه له - وهو مرسوم روسي صدر عام 2022 يسمح للجيش بتمديد عقود الجنود تلقائياً حتى نهاية الحرب.
وقال إنه في حال "جددوا العقد، فسأكون في ورطة كبيرة - يا إلهي".
يشار إلى أن عقده تم تجديده.
"جندوهم من الجامعة"
تضم قناة أزارنيخ على تطبيق تيليغرام 21 ألف مشترك. وكثيراً ما دعت في منشوراتها الراغبين بالانضمام إلى الجيش الروسي إلى إرسال نسخة ممسوحة ضوئياً من جوازات سفرهم. ثم نشرت دعوات، مصحوبة أحياناً بقائمة بأسماء الرجال الذين تستهدفهم.
ورصدت بي بي سي أكثر من 490 دعوة مماثلة أرسلتها خلال العام الماضي إلى رجال من دول من بينها اليمن وسوريا ومصر والمغرب والعراق وساحل العاج ونيجيريا.
وتطرقت منشوراتها إلى التجنيد في "كتيبة دولية نخبوية"، وأوضحت أن الأشخاص المقيمين في روسيا بصورة غير قانونية - بمن فيهم من انتهت صلاحية تأشيراتهم - مؤهلون للالتحاق بها.
صدر الصورة، Telegram
تحدثنا إلى ثمانية مقاتلين أجانب، من بينهم عمر، جندتهم أزارنيخ، بالإضافة إلى عائلات الرجال الاثني عشر المفقودين أو القتلى.
شعر كثيرون أن أزارنيخ ضللت المجندين أو استغلتهم. وأخبرونا أن الرجال كانوا يعلمون بانضمامهم للجيش، لكنهم لم يتوقعوا الخدمة في الخطوط الأمامية. شعر العديد منهم، مثل عمر، أن تدريبهم غير كافٍ أو ظنوا أنهم سيتمكنون من المغادرة بعد عام.
في مصر، قال يوسف (اسم مستعار) لبي بي سي، إن شقيقه الأكبر محمد بدأ دراسة جامعية في يكاترينبورغ في روسيا عام 2022.
لكنه واجه صعوبة في دفع الرسوم الدراسية، وأخبر عائلته أن امرأة روسية تُدعى بولينا بدأت تعرض عليه المساعدة عبر الإنترنت، بما في ذلك العمل مع الجيش الروسي الذي اعتقد أنه سيمكنه من مواصلة دراسته، وفق يوسف.
ويقول أيضاً: "وعدته بالسكن والجنسية... ونفقات شهرية". و"فجأة أُرسل إلى أوكرانيا. ووجد نفسه يقاتل".
يضيف يوسف أن آخر مكالمة هاتفية أجراها مع شقيقه محمد كانت في 24 يناير/كانون الثاني 2024. وبعد نحو عام، تلقى رسالة عبر تطبيق تيليغرام من رقم روسي، تحتوي على صور لجثة محمد. وعلمت العائلة لاحقاً أنه قُتل قبل ذلك بعام تقريباً.
"البعض فقد عقله"
أصبحت أزارنيخ "إحدى أهمّ من يعملون في التجنيد" لصالح الجيش الروسي، بحسب حبيب، وهو سوري آخر خدم في الجيش الروسي. وقد وافق على الظهور في مقابلة مصورة، لكنه تحدث باسم مستعار خوفاً من تبعات ذلك.
يقول حبيب إنه وأزارنيخ "عملا معاً لمدة ثلاث سنوات تقريباً في تقديم تأشيرات السفر إلى روسيا". ولم يُدلِ بمزيد من التفاصيل، ولم نتمكن من تأكيد دوره في هذه العملية. وتُظهر صورة من وسائل التواصل الاجتماعي تعود لعام 2024 وجوده معها.
أزارنيخ، وهي من منطقة فورونيج جنوب غرب روسيا، كانت تدير مجموعة على فيسبوك لمساعدة الطلاب العرب على القدوم إلى موسكو للدراسة، قبل أن تُنشئ قناتها على تيليغرام عام 2024.
يقول حبيب إن معظم المجندين الأجانب وصلوا متوقعين أدواراً في تأمين المنشآت أو الوقوف عند نقاط التفتيش.
ويضيف: "العرب الذين يأتون يموتون فور وصولهم. بعضهم فقد صوابه، فمن الصعب رؤية الجثث".
يقول حبيب إنه التقى عمر ومجموعة من السوريين في موقع تدريب عسكري. ويتابع: "إنها وعدتهم بالجنسية ورواتب جيدة وأنهم سيكونون بأمان. لكن بمجرد توقيع العقد، فلا سبيل للمغادرة".
"لم يكن أي منهم يعرف كيف يستخدم السلاح. حتى لو أُطلق عليهم النار، كانوا سيختارون عدم الرد... وإذا لم تطلق النار، فستُقتل"، كما يقول. "كانت بولينا تأخذ الرجال، وهي تعلم أنهم سيموتون".
ويضيف أنها "كانت تتقاضى 300 دولار من الجيش عن كل شخص تجنده". لم تتمكن بي بي سي من تأكيد ذلك، مع أن مجندين آخرين أخبرونا أيضاً أنهم يعتقدون أنها كانت تتقاضى أموالاً.
"لا شيء يأتي مجاناً"
بدأت منشورات أزارنيخ منذ منتصف عام 2024، تشير إلى أن المجندين سيُشاركون في "الأعمال القتالية" وتذكر أن مقاتلين أجانب لقوا حتفهم في المعارك.
وتقول في أحد مقاطع الفيديو التي نُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2024: "كنتم جميعاً تدركون جيداً أنكم ذاهبون إلى الحرب. هل ظننتم أنكم ستحصلون على جواز سفر روسي دون فعل شيء، وتعيشون في فندق خمس نجوم؟... لا شيء يأتي مجاناً".
وفي حالة أخرى، عام 2024، استمعت بي بي سي إلى رسالة صوتية أرسلتها أزارنيخ إلى أم كان ابنها يخدم في الجيش. تقول أزارنيخ إن المرأة "نشرت أمراً فظيعاً عن الجيش الروسي". وباستخدام ألفاظ نابية، هددت (أزارنيخ) حياة ابنها وحذرت المرأة بقولها "سأجدكِ أنتِ وجميع أطفالك".
حاولت بي بي سي عدة مرات التواصل مع أزارنيخ. في البداية، قالت إنها ستجري مقابلة معنا إذا سافرنا إلى روسيا، لكن بي بي سي رفضت لأسباب أمنية. لاحقاً، عندما سُئلت في مكالمة صوتية عن مزاعم وعودٍ بمنح المجندين أدواراً غير قتالية، أغلقت الخط. وفي رسائل صوتية أُرسلت لاحقاً، وصفت عملنا بأنه "غير مهني" وحذّرت من إمكانية رفع دعاوى تشهير. كما قالت: "ليضع هؤلاء العرب المحترمون الاتهامات التي يوجهونها في ( ....) -وذكرت لفظاً نابياً-".
تواصلت بي بي سي مع وزارتي الخارجية والدفاع الروسيتين للتعليق، لكنها لم تتلقَّ أي رد.
في وقت سابق، وتحديداً في مارس/آذار 2022، أيّد الرئيس بوتين تجنيد رجال من الشرق الأوسط، مؤكداً أن دوافعهم أيديولوجية وليست مالية: "هناك أناس يرغبون في القدوم طواعية، وليس من أجل المال، لتقديم المساعدة للشعب الروسي".
صدر الصورة، Telegram
"حوافز نقدية"
يقول صحفيون وباحثون يتابعون هذه القضية إن أفراداً مثل أزارنيخ هم جزء من شبكة تجنيد غير رسمية.
وعثرت بي بي سي على حسابين آخرين على تطبيق تيليغرام باللغة العربية يقدمان عروضاً مماثلة للانضمام إلى الجيش الروسي. يتضمن أحدهما منشورات تعرض وثائق دعوة وقوائم أسماء، بينما يعلن الآخر عن مبالغ مالية كبيرة مقابل الانضمام إلى "كتيبة نخبة".
وفي سبتمبر/أيلول، أعلنت الشرطة الكينية أنها فككت "شبكة اتجار" مشتبه بها، قالت إنها كانت تستدرج الكينيين بعروض عمل، ثم ترسلهم للقتال في أوكرانيا.
وقالت كاترينا ستيبانينكو، الباحثة في معهد دراسات الحرب، لبي بي سي إن بعض السلطات البلدية والإقليمية في روسيا تقدم حوافز نقدية تصل إلى 4000 دولار أمريكي لأفراد، مثل متخصصي الموارد البشرية والسكان المحليين، الذين يجندون روساً أو أجانب في الخدمة العسكرية.
وأضافت أن الكرملين استخدم في البداية كيانات أكبر، مثل مجموعة فاغنر العسكرية الخاصة ونظام السجون، للتجنيد، لكن منذ عام 2024 بدأوا أيضاً "بالاستعانة بالسكان المحليين والشركات الصغيرة".
وتضيف: "هذا يوحي لي بأنّ أساليب التجنيد السابقة لم تعد تُجدي نفعاً في استقطاب العدد نفسه من المجندين".
في غضون ذلك، عاد حبيب إلى سوريا بعد أن دفع رشاوى لعدد من القادة لإنهاء عقده، وفق قوله. وحصل عمر في نهاية المطاف على الجنسية الروسية، وتمكّن هو الآخر من العودة إلى سوريا. بينما توفي اثنان من السوريين الذين خدم معهم، وفقاً لعائلاتهم.
ويقول إنّ "أزارنيخ تنظر إلينا كأرقام أو أموال، لا كبشر. ولن نغفر لها ما فعلته بنا".
ساهم في التحقيق أولجا إيفشينا وجهاد عباس وعلي إبراهيم وفيكتوريا أراكيليان وريان معروف.
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :