Arab News 24.ca اخبار العرب24-كندا

كيف تؤثر نشأة الطفل في أجواء الحرب على عقليته؟ وكيف تتجلى تبعات ذلك بعد سنوات طويلة؟

الخميس 1 يناير 2026 06:52 صباحاً Article Information
    • Author, فيرغال كين
    • Role, مراسل خاص
  • قبل 11 دقيقة

تنبيه للمحتوى: يتضمّن هذا المقال تفاصيل عن تأثير النزاعات على الأطفال في مناطق الحروب، ووصفاً لإصابات قد يجدها بعض القرّاء مؤلمة أو صادمة.

كان أول ما حدث هو مقتل والد عبد الرحمن؛ فقد تعرّض منزل العائلة لغارة جوية إسرائيلية. تتذكّر والدته، أسماء النشّاش (29 عاماً)، تلك اللحظة قائلة: "أخرجوه مقطّعاً إلى أشلاء".

وفي 16 يوليو/ تموز 2024، استهدفت غارة جوية مدرسة في مخيّم النصيرات وسط قطاع غزة. وأُصيب عبد الرحمن، البالغ من العمر 11 عاماً، إصابة بالغة، واضطر الأطباء إلى بتر ساقه.

بدأت حالته النفسية تتدهور.

تقول أسماء: "صار يشدّ شعره ويضرب نفسه بقوة. أصبح كمن يعاني اكتئاباً، يرى أصدقاءه يلعبون ويركضون، بينما هو جالس وحده".

عندما التقيت عبد الرحمن في أحد مستشفيات الأردن في مايو/ أيار 2025، بدا منطوياً وحذراً. وكان قد تم إجلاء عشرات الأطفال من غزة إلى المملكة لتلقّي العلاج الطبي.

قال لي: "سنعود إلى غزة. سنموت هناك".

عبد الرحمن واحد من آلاف الأطفال المصابين بصدمة نفسية الذين التقيت بهم خلال ما يقارب أربعة عقود من تغطية النزاعات.

بعض الوجوه عالقة في ذاكرتي، كأنني التقيتها أمس، وهي تعكس عمق الرعب الذي يُفرض على الأطفال في عصرنا.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

كانت الحادثة الأولى على قمة تلّ في إريتريا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

كان الطفل أدوناي ميكائيل ضحية غارة نابالم إثيوبية، وكان يصرخ من شدّة الألم فيما كانت الرياح تنثر الغبار على جراحه. تلك الصرخات وآيات العذاب الخالص في عينيه، دفعتاني إلى الفرار من الخيمة التي كان يُعالَج فيها.

وفي بلفاست، بعد ذلك بسنوات قليلة، أتذكّر صبياً كان يسير خلف نعش والده الذي قُتل في تفجير نفّذه الجيش الجمهوري الإيرلندي. ولم أكن قد لمستُ من قبل ذلك القدر من البُعد والشرود في عينيْ إنسان.

وفي سيراليون خلال الحرب الأهلية، كانت هناك تلك الفتاة التي بُترت يداها على يد أحد عناصر الميليشيا وهو في حالة سُكر؛ ومن سويتو لا تزال في ذاكرتي صورة طفلة تساعد أمّها على مسح دماء رجل قُتل على عتبة منزلهما.

وفي رواندا، شعرتُ بقسوتي وعدم حساسيتي التي سأظل أندم عليها دائماً؛ حيث انهار صبي باكياً عندما سألتُه لماذا يناديه الأطفال بـ"القنبلة"، وعرفتُ أن الأمر يعود إلى إصابته في انفجار أودى بحياة والديه.

تؤكّد الأرقام الحجم الهائل لهذه الأزمة.

ففي عام 2024، عاش نحو 520 مليون طفل في مناطق نزاع - أي ما يقدر بطفل واحد من كل خمسة أطفال في العالم - وذلك وفقاً لتحليل أعدّه معهد أبحاث السلام في أوسلو، جمع فيه بين سجلات النزاعات وبيانات السكان للتوصّل إلى هذا التقدير.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

وتصف البروفيسورة تيريزا بيتانكورت، مؤلفة كتاب من"الظلال إلى النور" الذي يتناول تجارب الأطفال المجندين سابقاً، هذا الوضع بأنه "أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية".

وتحذّر من أن الصدمة النفسية تخلّف آثاراً تمتدّ طويلاً إلى المستقبل، قائلة: "يمكن أن تؤثّر على تطوير بنية دماغ الأطفال الصغار، بما يخلّف تبعات دائمة على التعلّم والسلوك، وعلى الصحة الجسدية والنفسية على حدّ سواء".

وفي ظلّ كل هذا الكمّ من الأبحاث التي أُجريت حول تأثير الحرب على عقول الأطفال، يبقى السؤال: ما الذي يمكن تقديمه؟

إنه سؤال أشد إلحاحاً اليوم، في ضوء حقبة من النزاعات العالمية المتعدّدة التي طالت ملايين الأطفال: من صغار السودانيين الذين شهدوا في أكتوبر/ تشرين الأول اغتصاب أمهاتهم وأخواتهم على يد عناصر ميليشيا في الفاشر بإقليم دارفور؛ إلى الأطفال الذين اختطفتهم حركة حماس من إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقد شاهد كثير منهم مذبحة عائلاتهم وجيرانهم؛ إلى أطفال بوتشا في أوكرانيا، الذين كان آباؤهم وأمهاتهم بين من قُتلوا على يد القوات الروسية في فبراير/شباط 2022؛ وصولاً إلى مئات الآلاف من الأطفال مثل عبد الرحمن، الذين كابدوا أكثر من عامين من الحرب في غزة.

صدر الصورة، AFP via Getty Images

صدر الصورة، AFP via Getty Images

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، لاجئون سودانيون عام 2025

وربما علي هنا أن أُصرّح بوجود مصلحة شخصية؛ فقد عانيتُ شخصياً من اضطراب ما بعد الصدمة، سواء في طفولتي داخل أسرة مفكّكة، أو لاحقاً في مرحلة البلوغ، أثناء مشاهدتي الحروب والإبادة الجماعية.

ورغم أن هذه التجربة تختلف عن خوض الحرب في الطفولة، فإنني أعرف أعراضها جيداً: القلق الشديد، وفرط اليقظة - أي البقاء في حالة تأهّب دائم تحسّباً لأي تهديد - إضافة إلى استدعاء الذكريات المؤلمة، والكوابيس، والاكتئاب. وقد بلغت الأعراض حدّاً استدعى دخولي المستشفى مرات عدة.

هذه التجربة الشخصية جعلتني شديد الفضول حيال رد فعل الأطفال بعد الصدمة، وكيف يُعامَلون بعدها.

يقول مايكل بلويس أستاذ علم النفس في جامعة سري: "الأدلة قوية إلى حدّ كبير عبر دراسات مختلفة، وتُظهر أن معايشة الحرب والنزوح يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بمشكلات نفسية".

وقد أجرى بلويس أبحاثاً طويلة الأمد حول أطفال اللاجئين السوريين، محذّراً من الوقوع في فخ استسهال التعميم، مضيفاً: "من المهم إدراك مدى تباين ردود فعل الأطفال".

فهناك مجموعة من العوامل التي يمكن أن تؤثّر في النتائج، منها مدة تعرّض الطفل للأحداث الصادمة، وهل أُصيب بجروح جسدية؟ وهل فقد عزيزاً له، أو شهد مقتله أو إصابته؟ وهل توافر له الأمان الجسدي والدعم النفسي فيما بعد؟

وفي عيّنة شملت 2976 طفلاً من البوسنة والهرسك - جميعهم عاشوا الحرب، وتتراوح أعمارهم بين تسعة و14 عاماً - سُجّلت مستويات مرتفعة من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة وأعراض الحزن.

صدر الصورة، Getty Images

صدر الصورة، Getty Images

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، البوسنة والهرسك: أطفال في سراييفو

وهناك أيضاً احتمال بحدوث أضرار صحية طويلة الأمد، مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة الذاتية، وترتبط بما يُعرف بـ"الإجهاد السام"، حيث يغرق الجسم في هرمونات مثل الكورتيزول والكاتيكولامينات، التي تؤدي إلى إفراز الأدرينالين.

وثمّة مجال بحثي آخذ في التطوّر يُعرف بعلم التخلّق (الإيبيجينتيك)، يطرح سؤالاً محورياً: هل يمكن لتجربة الصدمة لدى جيلٍ ما أن تظهر لدى الأجيال اللاحقة، من خلال تغيّرات في طريقة عمل جيناتنا؟

هل نصبح، مثلاً، أكثر عرضة لاعتلال الصحة النفسية، أو للإدمان، أو لمشكلات صحية أخرى، إذا كان في سجل عائلاتنا أفراد تعرضوا لصدمات لم تُعالج؟ وإلى أي حدّ يرتبط ذلك بالعوامل الجينية، مقابل تأثير بيئاتنا العائلية وأنماط حياتنا اليومية؟

تأثير تسرّب الصدمة داخل الأسرة

يُعدّ علم التخلّق أو الوراثة اللاجينية (الإيبيجينتيك) مجالاً علمياً افتراضياً محلّ جدل، ولا يزال به الكثير مما يحتاج إلى البحث والفهم.

ويقول البروفيسور بلويس: "أعتقد أن هناك بعض الأدلة على وجود نوع من انتقال الصدمة عبر الأجيال. جزء منه - أو ربما معظمه - يحدث عبر الممارسات الاجتماعية أكثر منه عبر آليات بيولوجية، لكن هناك أيضاً مؤشرات إلى وجود عوامل وراثية لا جينية".

لكن متين باش أوغلو مدير مركز إسطنبول للعلوم السلوكية، يتعامل مع هذا الطرح بحذر وتشكيك.

ومع ذلك، يشير إلى أن بعض سمات المزاج - كالاستعدادات التي تنتقل وراثياً عبر الأجيال - قد تجعل البعض أكثر هشاشة في مواجهة الأحداث الصادمة.

وخلال بحثي عن كتاب يناقش اضطراب ما بعد الصدمة الذي أعاني منه، أتذكّر حديثاً دار بيني وبين أحد أبرز الخبراء في هذا المجال في بريطانيا، وهو سايمون ويسيلي، الرئيس السابق للكلية الملكية للأطباء النفسيين.

تساءلت آنذاك عمّا إذا كان تاريخ عائلتي من أجداد وُلدوا خلال المجاعة الأيرلندية، وجدّة صدمتها ظروف الحرب في عشرينيات القرن الماضي - قد جعلني أكثر استعداداً وراثياً للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة.

أجابني قائلاً: "لا توجد ببساطة أي طريقة لمعرفة ذلك، من دون دراسة عيّنة تمثيلية من المجموعة نفسها، في المنطقة ذاتها، مع أسلاف وُلدوا في المكان نفسه وتعرّضوا للظروف نفسها. لا يمكنني استخلاص ذلك من حالة شخص واحد.

ثم أضاف: "ما أراه أسهل للفهم - وربما الأشد تأثيراً - هو أثر الخلفية [التربوية] التي ننشأ فيها. فمن المستحيل أن تنشأ في منزل ما، باهتمامات ما، من دون أن تترك نشأتك الأثر نفسه عليك".

صدر الصورة، AFP via Getty Images

صدر الصورة، AFP via Getty Images

التعليق على الصورة، أجرى البروفيسور مايكل بلويس أبحاثاً طويلة الأمد حول أطفال اللاجئين السوريين المتأثّرين بالحرب، ويحذّر من الوقوع في افتراضات مسبقة.

وهناك إجماع أوسع على أن الصدمة أزمة عائلية بامتياز. فالأمر لا يقتصر على ما يشهده الطفل أو ينجو منه - بل يشمل أيضاً التأثير العميق الذي تطاله الصدمة على البالغين.

وتقول البروفيسورة تيريزا بيتاكورت: "لا يواجه الأطفال في مناطق الحروب فقدان مقدّمي الرعاية والانفصال القسري المؤلم فحسب، بل إن مقدّم الرعاية نفسه، حين يعاني من صدماته الخاصة وضيقه النفسي، قد لا يتمتع بالقدرة الكاملة على حماية طفله أو إرشاده خلال أهوال الحرب".

وتدعم أبحاث مايكل بلويس بين اللاجئين السوريين هذا الاستنتاج.

فبين 80 في المئة من الأطفال الذين ثبت أنهم معرّضون لأكثر من اضطراب نفسي واحد، كانت الظروف العائلية عاملاً حاسماً.

وشارك نحو 1600 أسرة في دراسة نُشرت عام 2022 حول اللاجئين السوريين في لبنان.

ويشير بلوس إلى أن ظروف معيشة الطفل، كالحصول على سكن آمن وغذاء وتعليم، تبيّن أنها "أكثر قدرة على الإنباء بصحته النفسية بنحو عشرة أضعاف".

أما الطفل الذين أظهر قدرة أكبر على التكيّف الصحي، فقد يكون قد "تمتّع ببيئة اجتماعية شديدة الحماية؛ ربما كان الوالدان قادرين على حمايته، أو كانت لديه صداقات وعلاقات قريبة، أو إمكان الوصول إلى المدرسة - وكل هذه العوامل الخارجية التي تعمل كحاجز يخفّف من الأثر السلبي لمعايشة الحرب".

وتعود جذور هذا المعنى في بريطانيا إلى الحرب العالمية الثانية، وإلى تجربة الأطفال الذين عاشوا خلال "البلتز" - وهي فترة القصف الجوي الألماني التي استمرّت ثمانية أشهر، بين سبتمبر/ أيلول 1940 ومايو/ أيار 1941.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، أطفال في انتظار إجلائهم من لندن يشاركون في تدريب على ارتداء الأقنعة الواقية من الغاز

صدر الصورة، Hulton-Deutsch Collection/Corbis via Getty Images

التعليق على الصورة، أطفال مع ألعابهم التي أنقِذت عام 1940

صدر الصورة، Fox Photos/Getty Images

التعليق على الصورة، أطفال صغار أُجلوا من لندن خلال فترة القصف الجوي (البلتز) يخضعون لفحص أقدامهم في مسكنهم الجديد

ويشير البروفيسور إدغار جونز، من جامعة كينغز كولدج لندن، إلى دراسة شملت 212 طفلاً تلقّوا العلاج في مستشفى "غريت أورموند ستريت للأطفال" خلال الحرب.

وعندما عاد الباحثون لمتابعة هؤلاء الأطفال في عام 1949 - أي بعد أربع سنوات من انتهاء النزاع - تبيّن أن 21 في المئة فقط منهم كانوا قد تعافوا.

وبرز دور الوالدين - سواء الإيجابي أو السلبي - بوصفه نتيجة محورية في الدراسة.

ويقول البروفيسور جونز: "تبيّن أن شدّة تفاعل الطفل مع القصف كانت تتأثّر بردّ فعل والديه تجاه الصدمة، سواء عبر تهويل قلقه أو طمأنته".

التغلّب على الخوف واستعادة السيطرة

في تجربتي الشخصية، ساعدني العلاج النفسي والأدوية، لكن ما كان له الأثر الحاسم أيضاً هو الدعم المستمر من العائلة والأصدقاء. فمن دون قوة العلاقات القائمة على الرعاية والاهتمام، لا أعتقد أنني كنت سأتجاوز ذلك الظلام.

كما تلقيت تشجيعاً على التعامل مع ميلي إلى تجنّب كل ما قد يذكّرني بالصدمة.

فعلى سبيل المثال، مررت بفترة طويلة كنت أتجنّب فيها السفر إلى القارّة الأفريقية، خوفاً من أن يثير مجرد وجودي هناك ذكريات الإبادة الجماعية في رواندا. لكن مع الوقت، شجّعني المعالج تدريجياً على مواجهة هذا الخوف. واستغرق الأمر سنوات، لكنني وصلت في النهاية، ولا أزال أزور أماكن هناك عزيزة على قلبي.

وكان البروفسور باش أوغلو رائداً في استخدام ما يُعرف بـ"العلاج السلوكي المرتكز على استعادة السيطرة، وذلك بين الناجين من زلزال تركيا عام 1999، الذي أودى بحياة نحو 18 ألف شخص.

وتقوم الفكرة على تشجيع الفرد على استعادة السيطرة على خوفه من تكرار الحدث الصادم.

ففي حالة الأطفال الذين كانوا يتشبّثون بآبائهم باستمرار، جرت محاولة معالجة ذلك عبر مساعدتهم على التدرّج في التكيّف مع النوم بمفردهم.

ويقول البروفيسور باش أوغلو: "ما إن يتغلّبوا على الخوف، حتى تتحسّن أيضاً جميع ردود الفعل الناتجة عن الصدمة النفسية المرتبطة بالخوف".

كما يشدّد اختصاصيون نفسيون إسرائيليون يعملون مع الأطفال الذين أُفرج عنهم من أسر "حماس" بعد هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، على الأهمية البالغة لإعادة ترسيخ الشعور بالسيطرة والتحكّم.

صدر الصورة، Getty Images

صدر الصورة، AFP via Getty Images

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، لقد أثّرت النزاعات العالمية في ملايين الأطفال، من بينهم الشبان الذين اختطفتهم حركة حماس من إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأولئك الذين شهدوا في ذلك اليوم مقتل أفراد من عائلاتهم وجيرانهم، إضافة إلى من يواجهون تداعيات ما بعد تلك الأحداث.

وفي ورقة بحثية نُشرت في "مجلة الطبّ النفسي للأطفال والمراهقين والصحة النفسية"، كتب فريق من المتخصصين الإسرائيليين أن ذلك يتحقق "من خلال تزويد الناجين بالمعلومات، وإتاحة مساحة لهم للتعبير عن مخاوفهم، مع ضمان الاستماع إلى احتياجاتهم وأصواتهم وأخذها على محمل الجد".

ومع ذلك، فإن نجاح التدخّل العلاجي يعتمد إلى حدّ كبير على توفير بيئة مستقرة، لا مكان فيها للخوف من القتل أو التشويه في كل لحظة.

ويقول بلويس: "ما يحتاجونه أيضاً هو أن يكون آباؤهم بخير، وأن يعيشوا في مكان آمن، وأن يتوافر لهم إمكان الوصول إلى التعليم، وأن يكون لديهم روتين يومي، ونوع من القدرة على التنبؤ بما سيأتي".

غير أن ذلك نادراً ما يكون متاحاً في المناطق التي دمّرتها الحروب. فالهُدَن [جمع هدنة] تنهار، وخطوط الجبهات تتجمّد، والنازحون يظلون عالقين في المخيّمات.

"جُرِّدنا من إنسانيتنا"

ومع ذلك، فإن تلك الكلمات عن "المكان الآمن" تستحضر في ذهني صديقتي بياتا أوموبييي مايريس، والفارق الذي أحدثه الاستقرار في حياتها.

كانت في الخامسة عشرة من عمرها عندما اندلعت الإبادة الجماعية في رواندا - أسوأ مجزرة جماعية منذ المحرقة النازية - عام 1994. فخلال مئة يوم، قُتل ما يصل إلى 800 ألف شخص، معظمهم من أقلية التوتسي.

وبوصفي صحفياً، سافرتُ ضمن القافلة التي أجلت عشرات الأطفال الأيتام - وكانت بياتا أوموبييي مايريس من بينهم - عبر حواجز طرق أقامتها ميليشيا "إنترهاموي" القاتلة. كانت تجربة مرعبة، لاسيما للأطفال الذين قُتلت عائلاتهم.

ومن حاجز إلى آخر، لم نكن نعرف إن كانت العصابات المسلحة بالمناجل ستهاجمنا أم لا.

وبعد سنوات، حين بدأت بياتا سبر أغوار تجربتها الشخصية - التي نُشرت لاحقاً في كتابها القافلة - تواصلت معي. وأتذكّر أنني تأثّرت كثيراً بهدوئها وانفتاحها. فهي اليوم متزوّجة ولديها طفلان، وتعيش في فرنسا، وأصبحت كاتبة ناجحة.

وتقول: "أول ما ساعدني كان المنفى إلى فرنسا، ومغادرة مسرح الإبادة. وجدتُ نفسي في أمان، في مكان هادئ، مع مأوى، وعائلة حاضنة تكفّلت بجميع احتياجاتي المادية، وإمكان مراجعة أخصائيّ نفسيّ. عدتُ إلى المدرسة في شهر سبتمبر/ أيلول، وكان لذلك أيضاً أثر كبير في شفائي".

صدر الصورة، VCG via Getty Images

التعليق على الصورة، فتاة رواندية

صدر الصورة، Mirrorpix/Getty Images

التعليق على الصورة، جانب من الحياة اليومية لمجموعة في رواندا عقب الحرب الأهلية

صدر الصورة، Liaison/ Getty Images

التعليق على الصورة، في عام 1994، قُتل ما يصل إلى 800 ألف شخص في رواندا خلال فترة امتدّت 100 يوم.

التحقت بياتا بوالدتها التي نجت هي الأخرى، فيما كان والدها قد توفّي قبل وقوع المجزرة.

ورغم هدوئها الظاهر، ظلت بعض المخاوف تلاحقها.

فقد أصابها الهلع ذات ليلة عندما عُزفت موسيقى كلاسيكية على الراديو - موسيقى شبيهة بتلك التي كانت تُبثّ على الإذاعة الرواندية ليلة اندلاع الإبادة. كما أن الألعاب النارية أو صوت إطلاق النار من قبل الصيادين كانا يدفعانها إلى الاختباء تحت مقعدها في الصف "لأنني كنت أعتقد أن الحرب قد اندلعت في فرنسا".

تساءلتُ عمّا إذا كانت تبذل جهداً واعياً لحماية أطفالها من توارث صدمة الإبادة الجماعية، فقالت: "هناك أشياء يصعب روايتها للأطفال: كيف جُرّدنا من إنسانيتنا، وكيف كدتُ أُغتصب. يصبح مصطلح "ما لا يُقال" مفهوماً تماماً عندما نحاول نقل القصص إلى الأطفال. نحن نخاف من أن نلوّثهم بصدماتنا".

ومع ذلك، فإن الدقّة والتمييز أمران أساسيان بالنسبة لبياتا، التي أضافت: "لا ينبغي أن تكون الإبادة هي الصورة الوحيدة لرواندا في أذهانهم. رويتُ لهم قصصاً من طفولتي، وفي كل مرة كنت أزور البلاد كنت أعود لهم بالفاكهة، لكي يكتشفوا أيضاً بلداً مليئاً بالنكهات".

وعلى الرغم من أنها تعيش حياة مكتملة وسعيدة، لا تزال بياتا أوموبييي مايريس تعاني القلق، وتتناول مضادات الاكتئاب للتعامل مع الأرق. وأنا أيضاً أستخدم الأدوية، ومثل بياتا لا أراها عبئاً ولا وصمة.

بل على العكس، أعدّ نفسي محظوظاً لأنني أملك إمكانية الوصول إلى الرعاية والعلاج.

التعليق على الصورة، فيرغال كين صاحب التقرير (الثاني من اليمين) في رواندا بعد الإبادة الجماعية

يرى كثير من الخبراء أن بناء مجتمع آمن عاملٌ حاسم أيضاً.

ويقول بلويس: "هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد ضحايا لمشكلات في الصحة النفسية. إنهم صغار لهم اهتماماتهم، لذا يحتاجون إلى الذهاب إلى المدرسة، ويحتاجون إلى فرص للّعب معاً - وقد يكون ذلك في أهمية موازية، إن لم يكن مساوية، لمعالجة المشكلات النفسية التي يواجهونها".

ويدرك علماء النفس العاملون في غزة هذه الاحتياجات جيداً؛ فقد كتب ديفيد موزاردو الذي تطوّع مع "أطباء بلا حدود"، عن محاولاته تقديم العلاج النفسي على خلفية الطائرات المسيّرة والانفجارات.

ويقول: "في غزة، ينجو الإنسان، لكن التعرّض للصدمة مستمر. كل شيء مفقود، حتى فكرة المستقبل نفسها. بالنسبة للناس، فإن أشدّ مصادر العذاب ليس ما يحدث اليوم - القصف، والقتال، والحِداد - بل ما سيأتي بعد ذلك. هناك قدر ضئيل جداً من الثقة بالسلام أو بإعادة الإعمار، وقد أظهر الأطفال الذين رأيتهم في المستشفى علامات واضحة على التراجع النفسي".

من الممكن، في غزة المدمَّرة، أن تتحوّل الهدنة الحالية إلى سلام دائم، يتيح إعادة البناء، واستعادة الحياة الأسرية والتعليم. هذا ممكن - لكنه غير مضمون على الإطلاق.

وفي السودان، تُبذل محاولات لإعادة إطلاق محادثات السلام، لكن التفاؤل بنتائجها محدود. أما الحرب في أوكرانيا، وكثير من الحروب الأخرى، فتمضي بلا توقّف يوماً بعد يوم.

إن قِدَم الصدمة من قِدَم الحروب نفسها. وغالباً ما يتساءل الساسة والصحفيون والخبراء، عند التفكير فيما بعد النزاعات: "ماذا سيحدث عندما يتوقّف القتل؟".

لكن في مكان آخر، سيستمر القتل.

تلك هي المأساة المتواصلة للأطفال العالقين في حروب لم يبدأوها، ولا يملكون أي سيطرة عليها.

ومع كل ما راكمته البشرية من معرفة حول علاج الصدمة، إلا أنه لا تزال نائية عن معالجة سببها الجذري — الحرب نفسها.

إعداد إضافي: هارييت وايتهاد

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :