أضاحي العيد
الدوحة - قنا
بات التطور التكنولوجي المتسارع جانبا أساسيا في مختلف نواحي الحياة، وأصبح شريكا في أغلب الأنشطة اليومية وحتى في العادات والاحتفالات، ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك يتزايد الحديث عن الأضحية، وهي إحدى أعظم الشعائر الدينية في العالم الإسلامي، حيث ترتبط ببعديها التعبدي والاجتماعي من خلال تقاسم الخير وإطعام الفقير.
ولم تعد هذه الشعيرة بمعزل عن التحول التكنولوجي، فقد أسهمت التقنيات الحديثة في إعادة تشكيل آليات شراء، وذبح، وتوزيع الأضاحي، محولة التحديات التقليدية إلى فرص ذكية تتسم بالمرونة والسرعة، مع الحفاظ الكامل على المقاصد الشرعية.
وظهرت عشرات التطبيقات المتخصصة في بيع المواشي وتطبيقات الجمعيات الخيرية الرسمية، التي تتيح للمضحي اختيار نوع الأضحية ومعرفة سنها، ووزنها، وسعرها بضغطة زر واحدة في الهاتف النقال أو على جهاز الكمبيوتر.
وفي هذا السياق، ولبيان الحكم الشرعي للتعامل مع هذه التطبيقات والاستفادة منها، قال الشيخ الدكتور أحمد عبدالقادر الفرجابي المستشار التربوي والأسري بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إن المنصات الرقمية سهلت وصول الأضاحي ووصول الهدي إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وللمحتاجين، كما سهلت وصول الأموال لشراء الأضاحي في مختلف دول العالم، حتى يتمكن الوكلاء من ذبح الأضاحي في وقتها الشرعي، ولا شك أن هذا الأمر أضاف معاني جديدة جدا وجميلة، وهي شعور المسلم في مشارق الأرض ومغاربها بإخوانه، ويسر على المستطيعين الذين يرسلون الأضاحي لمشارق الأرض ومغاربها، وصول الأضاحي إلى المحتاجين وفي وقتها الصحيح وبطريقتها الصحيحة.
وقال إن المنصات الرقمية تعمل منذ سنوات حتى في إيصال الهدي عبر تطبيقات موجودة بالمملكة العربية السعودية، وعبر الجمعيات الخيرية في دولة قطر، وهذا هو الضابط والضامن الأول الذي يشجع مثل هذه الأشياء، مضيفا أن تطور الوسائل الرقمية يحفظ إذا جوهر العبادات من هذه الناحية، حيث يستطيع المسلم أن يعيش بمشاعره يوم العيد فيفرح أخاه المحتاج في مشارق الأرض ومغاربها، وفي المناطق المنكوبة التي تنتشر في المجاعات والفقر، وأماكن النزوح، فكل هؤلاء أصبحوا يستفيدون من الأضحية عن طريق استخدام النظام الرقمي.
وشدد الدكتور الفرجابي على ضرورة أن يكون النظام الرقمي موثوقا به، وأن يراعي، وهو يشبه الوكالة، الضوابط الشرعية في الأضحية، والوقت الذي تذبح فيه، وأن يكون من يقومون على هذه التطبيقات أمناء.
وأشار إلى أن الجهات الشرعية تقوم بأدوارها من حيث تحديد المواقع الموثوق بها، وأيضا تقوم بدورها من ناحية الحرص على التوجيه الشرعي، وأن تكون المسألة وفق الضوابط والقواعد الشرعية، فالجهات الشرعية ومنها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تتأكد من هذا، وبعض هذه المنصات تنقل للمضحي صورة الأضحية وربما تنقل له مشاهد من مظاهر الفرح، وكل هذا تعودنا عليه من خلال مؤسساتنا الخيرية التي توصل الزكوات وتوصل الصدقات وتوصل كذلك الأضاحي للمحتاجين في كل مكان.
وعن تأثير "الأضحية الرقمية" على البعد الروحي، قال المستشار التربوي والأسري بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إنها أضافت بعدا روحيا مهما وهو شعور المسلمين بأنهم أمة الجسد الواحد، وأيضا أظهرت المعنى الاجتماعي في هذه الناحية.
وأردف قائلا: "ولكننا ننبه إلى أمر مهم جدا وهو أن الأسر ولله الحمد هنا عندنا، عندهم عدد من الأضاحي، فمن المهم جدا إقامة أضحية في البيت حتى تبقى الشعيرة، وحتى يعيش الأبناء هذه الشعيرة، فلحم الأضحية ليس كغيره من اللحم، فهي قربة لله تبارك وتعالى، يتقرب الإنسان بذبح أضحية، ثم بعد ذلك يقدم الأضاحي الزائدة لإخوانه إذا أراد أن يضحي عن أمواته، والتضحية عن الأموات لها صورتان، الصورة الأولى أن يضحي عن نفسه بذبيحة ويضحي عن والده أو والدته أو عمه وفاء للمتوفى، يضحي عنه لا مانع من هذا، والصورة الثانية أن يشرك أهله، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضحى عن محمد وعن آل محمد وهذا فيه آل محمد فيهم الأحياء وفيهم الأموات ليفوز الجميع بهذا الفضل".
ومن جانبه، قال السيد خالد عبدالرحمن الإبراهيم، مدير إدارة تنمية الموارد بالهلال الأحمر القطري، إن شراء الأضاحي أو التبرع بقيمتها المادية عبر التطبيقات الرقمية شهد خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، ليس فقط من ناحية حجم التبرعات، بل أيضا من حيث تنوع القنوات الرقمية المستخدمة لتسهيل مساهمات المتبرعين.
وأضاف أن الأضحية أصبحت اليوم جزءا من منظومة رقمية متكاملة تشمل التطبيقات البنكية، والمحافظ الرقمية، وخدمات الدفع الفوري، وتطبيقات التوصيل، ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتابع: من خلال التجربة العملية، نلاحظ أن الإقبال على الأضاحي من خلال التطبيقات الرقمية ارتفع هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة، مدفوعا بسهولة الوصول وسرعة تنفيذ التبرعات عبر القنوات الرقمية المختلفة.
كما أن التكامل مع البنوك وخدمات الدفع الفوري ساهم في تبسيط التبرع بشكل كبير، حيث أصبح بإمكان المتبرع إتمام كل ما يتعلق بأضحيته خلال ثوان من خلال التطبيقات البنكية دون الحاجة إلى خطوات معقدة، وهو ما ساعد على تعزيز الوصول إلى مختلف شرائح المجتمع، كما أن الإقبال على الأضاحي لا يعتمد فقط على الجانب الرقمي، بل يتأثر أيضا بعدة عوامل من أبرزها نوع الأضحية، وسعرها، والدولة المستهدفة. فغالبا ما تشهد الأضاحي ذات الأسعار المناسبة إقبالا أكبر، كما تختلف تفضيلات المتبرعين بين الأغنام والأبقار بحسب القيمة وعدد المستفيدين وطبيعة المشروع. كذلك تلعب الحالة الإنسانية والتغطية الإعلامية دورا مؤثرا في توجيه التبرعات نحو بعض المناطق أكثر من غيرها.
وأشار إلى أن قطاع غزة في مقدمة المناطق الأكثر استقطابا للأضاحي والتبرعات، نتيجة استمرار الظروف الإنسانية الصعبة وارتفاع حجم الاحتياج، إضافة إلى الحضور الكبير للقضية الفلسطينية في وجدان المجتمع. كما أن المتبرعين يشعرون بأهمية المساهمة في دعم الأسر المتضررة هناك، خاصة في المواسم الدينية مثل موسم عيد الأضحى المبارك، وهو ما ينعكس بشكل واضح على حجم الإقبال عبر المنصات الرقمية المختلفة.
وفيما يتعلق بالشفافية والتوثيق، فإن التحول الرقمي رفع سقف توقعات المتبرعين بشكل كبير، حيث أصبح المتبرع يتوقع مستوى أعلى من الوضوح والمتابعة والتقارير. ولذلك تعتمد المؤسسات الإنسانية على منظومة متكاملة تشمل التوثيق الميداني، والإشراف على عمليات الذبح والتوزيع، واختيار الموردين وفق معايير واضحة، إضافة إلى تقديم تحديثات وتقارير وصور تعزز ثقة المتبرعين وتؤكد وصول الأضاحي إلى المستفيدين بالشكل الصحيح.
ومن الناحية الإنسانية، ساهمت الأضحية الرقمية في توسيع نطاق الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجا، خاصة في المناطق المتأثرة بالأزمات والكوارث، حيث أتاحت القنوات الرقمية سرعة أكبر في جمع التبرعات وتنفيذ المشاريع خلال فترة زمنية قصيرة.
كما ساهمت في زيادة المشاركة المجتمعية من خلال تسهيل عملية التبرع وجعلها أكثر مرونة وسهولة عبر المنصات التي يستخدمها الناس يوميا.
وفيما يتعلق بالنصائح للراغبين في أداء الأضحية عبر المنصات الرقمية، أوضح مدير إدارة تنمية الموارد بالهلال الأحمر القطري أن من المهم التأكد من اختيار جهات موثوقة ومرخصة تمتلك خبرة واضحة في العمل الإنساني وآليات تنفيذ شفافة.
كما ينصح بالتركيز على أثر المشروع الحقيقي ومدى وصوله إلى الفئات الأكثر احتياجا، وعدم الاكتفاء فقط بسهولة الدفع أو انتشار الحملة رقميا. فالتقنية اليوم أصبحت أداة قوية لتعزيز العمل الإنساني وتوسيع أثره، لكن القيمة الحقيقية تبقى في الأثر الإنساني والبعد الروحي الذي تحمله هذه الشعيرة المباركة.
وعن تجربة الأضحية الرقمية، قال الدكتور محمد سعيد السقطري خبير التكنولوجيا والأمن السيبراني في تصريح لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن الهدف الأساسي من التكنولوجيا هو تسهيل الخدمات للجمهور وتوفير إمكانية الوصول إليها بسهولة وفي أي وقت ومن أي مكان، وهذا ما انعكس بشكل واضح على الأضاحي، حيث أصبح بإمكان المستخدم اختيار الأضحية والدفع والتوكيل إلكترونيا خلال دقائق معدودة دون الحاجة إلى التنقل أو الازدحام، وهو جانب إيجابي أسهم في رفع كفاءة الخدمة وتسريع تنفيذها.
وأضاف: لكن في المقابل، فإن خدمات الأضاحي تختلف عن أي خدمة تجارية أخرى، لأنها ترتبط بشروط شرعية محددة يجب الالتزام بها بدقة، مثل نوع الأضحية وعمرها ووزنها وخلوها من العيوب، إضافة إلى توفر الكميات المطلوبة، لذلك من المهم أن توفر التطبيقات والمنصات معلومات دقيقة وواضحة تساعد المستخدم على اختيار الأضحية المناسبة وفق الضوابط الشرعية.
وأكد أن الثقة تعد عاملا أساسيا في نجاح هذه المنصات، إذ يأتي دور الجهة المقدمة للخدمة في الالتزام بالأمانة والشفافية وعدم التلاعب بالمعلومات أو الصور المعروضة.
وأضاف خبير التكنولوجيا والأمن السيبراني أنه ومن الوسائل التي تعزز الثقة قيام المنصة بتوفير صور أو مقاطع فيديو حديثة للأضحية قبل الشراء، إضافة إلى توثيق مراحل الذبح والتوزيع عند الطلب.
وأوضح الدكتور السقطري أن خدمات الأضحية الرقمية شهدت تطورا ملحوظا خلال السنوات الخمس الماضية، حيث بدأت الفكرة بشكل أساسي من خلال تطبيقات الجمعيات الخيرية التي أتاحت للمستخدمين التبرع أو توكيل الجمعيات لشراء الأضاحي وذبحها وتوزيعها على المستحقين، مع إرسال تقارير توضح مراحل التنفيذ بعد انتهاء الحملة، ما ساعد في تسهيل المشاركة في الأعمال الخيرية وزيادة سرعة الوصول للمساهمات.
وأشار إلى أنه مع تطور التجارة الإلكترونية، توسعت الخدمات بشكل كبير وأصبحت شركات بيع اللحوم والمواشي تتنافس على تقديم حلول رقمية متكاملة تشمل بيع الأضاحي واللحوم الطازجة والمجمدة بمختلف أنواعها، مع خدمات التوصيل والحجز الإلكتروني والدفع الرقمي، وذلك لتلبية احتياجات الجمهور خاصة في ظل ضيق الوقت واعتماد كثير من الأسر على التسوق الإلكتروني.
وعن أهم التحديات التقنية التي تواجه منصات الأضحية الرقمية، أشار الدكتور محمد سعيد السقطري إلى أن من أبرز التحديات تزايد محاولات الاحتيال الإلكتروني، خصوصا خلال المواسم الدينية مثل العشر الأوائل من ذي الحجة، حيث تستغل بعض الجهات الوهمية أو المواقع المشابهة للمنصات الرسمية رغبة الناس في أداء شعيرة الأضحية، فتقوم بإنشاء تطبيقات أو حسابات مزيفة بهدف الاحتيال المالي وسرقة بيانات المستخدمين، لذلك من الضروري تعزيز وعي الجمهور بعدم التعامل إلا مع المنصات الرسمية والموثقة داخل الدولة، والتأكد من صحة الروابط الإلكترونية ووسائل الدفع المستخدمة.
كما أن وجود اعتماد رسمي أو ختم ثقة من الجهات المختصة، مثل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يسهم بشكل كبير في رفع مستوى الأمان والثقة لدى المستهلك، لأن هذه المنصات تخضع حينها لإجراءات رقابية وتنظيمية تضمن الامتثال لمتطلبات التجارة الإلكترونية والأمن السيبراني في دولة قطر، ومن الجوانب المهمة أيضا تأمين عمليات الدفع الإلكتروني وحماية بيانات العملاء من الاختراق أو التسريب، إضافة إلى ضرورة وجود قنوات دعم رسمية وسريعة لمعالجة الشكاوى والتحقق من تنفيذ الطلبات بشكل صحيح.
اقرأ المزيد
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :