Arabnews24 | اخبار كندا

عيد الأضحى في فرنسا.. قدسية شعيرة الأضحية في مواجهة قوانين ومعايير صارمة

اخبار العرب -كندا 24: الاثنين 25 مايو 2026 11:27 صباحاً تقارير وحوارات 0
25 مايو 2026 , 06:19م

علم فرنسا.. باريس.. برج إيفل

باريس - قنا

يمثل عيد الأضحى لدى المسلمين واحدة من أبرز المناسبات الدينية التي تتجاوز بعدها التعبدي لتجسد معاني التكافل والتضامن الاجتماعي، غير أن إحياء شعيرة الأضحية في فرنسا يكتسب خصوصية مختلفة، في ظل واقع أوروبي تحكمه قوانين دقيقة تنظم المجال العام، وتفرض معايير صارمة تتعلق بالصحة والبيئة والرفق بالحيوان، إلى جانب ضغوط اقتصادية متزايدة باتت تؤثر بشكل مباشر على قدرة الأسر المسلمة على أداء الأضحية كما في بلدانهم الأصلية.

وبين الإطار القانوني الصارم وارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الأضاحي، يجد مسلمو فرنسا أنفسهم أمام معادلة معقدة تقوم على التوفيق بين الحفاظ على جوهر الشعيرة الدينية والامتثال لمتطلبات الدولة، وهو ما أدى مع مرور الزمن إلى تحولات واضحة في طرق الاحتفال بعيد الأضحى وتنظيمه داخل المجتمع الفرنسي.

وفي هذا السياق، تختلف التجارب الفردية للمسلمين في فرنسا بين من يعيش العيد بمرجعية الذاكرة القادمة من البلد الأم، وبين من يتكيف مع الواقع الأوروبي بكل تعقيداته.

وفي شهادة تعكس هذا البعد الإنساني، تحدث لزهر التومي، سائق سيارة أجرة تونسي يقيم منذ نحو ثلاثين سنة في منطقة /درانسي/ بضواحي باريس، عن تجربته الشخصية مع عيد الأضحى في المهجر.

وقال التومي لوكالة الأنباء القطرية /قنا/: "إن الفوارق بين عيد الأضحى في البلدان العربية والإسلامية وبين فرنسا لا تزال كبيرة، رغم التحسن الملحوظ في أوضاع الجالية المسلمة خلال السنوات الأخيرة، وانتشار المساجد والمصليات في المدن الفرنسية، إضافة إلى تعاون السلطات المحلية في توفير فضاءات لصلاة العيد، وهو ما ساهم في تمكين المسلمين من أداء شعائرهم الدينية في ظروف أفضل".

وأشار إلى أن السلطات الفرنسية تسعى إلى تنظيم عملية ذبح الأضاحي وفق إطار قانوني وصحي محدد، من خلال المجازر والمسالخ المعتمدة، وهو ما يراه أمرا ضروريا من الناحية التنظيمية، رغم أن بعض المسلمين يعتبرون هذه الإجراءات نوعا من تقييد الحرية الدينية مقارنة بما اعتادوا عليه في بلدانهم الأصلية.

ولفت إلى أن مظاهر التضامن والتكافل موجودة داخل الجالية المسلمة في فرنسا، لكنها تبقى محدودة مقارنة بما هو موجود في البلدان العربية، موضحا أن التواصل يقتصر غالبا على الدائرة العائلية القريبة، في حين تقل الزيارات والتجمعات الواسعة بين الجيران والمعارف.

وأوضح أن الحصول على الأضحية في فرنسا أصبح يعتمد بشكل كبير على الحجز المسبق لدى المجازر المعتمدة، حيث يتم التسجيل قبل أسابيع أو حتى أشهر بسبب كثرة الطلب خلال فترة العيد، مشيرا إلى أنه قام هذا العام بحجز أضحيته مسبقا ليتسلمها بطريقة قانونية ومنظمة.

وأضاف أن أسعار الأضاحي في فرنسا تتراوح حاليا بين 280 و350 يورو تقريبا، حسب الحجم والخدمات المرتبطة بالذبح والتقطيع.

وعلى مستوى التنظيم الميداني لشعيرة الأضحية، يبرز دور الجزارين وأصحاب المسالخ باعتبارهم حلقة أساسية في تسيير واحدة من أكثر الفترات ضغطا خلال السنة، نظرا لكثافة الطلب والتشريعات الفرنسية الصارمة التي تنظم عملية الذبح.

وفي هذا السياق، تحدث صابر الميلادي، جزار ومربي ماشية ومسؤول عن مسلخ مخصص لذبح أضاحي العيد، عن الاستعدادات الخاصة بعيد الأضحى في فرنسا، إلى الأجواء التي تسبق العيد والتحضيرات المكثفة التي يقوم بها الجزارون ومربو المواشي لتلبية الطلب المتزايد على الأضاحي، إضافة إلى التحديات التنظيمية والقانونية التي ترافق هذه المناسبة الدينية كل سنة.

وأوضح الميلادي، لـ /قنا/، أن التحضيرات تنطلق قبل أشهر من حلول عيد الأضحى، حيث يقوم باقتناء الخرفان الصغيرة وتربيتها بعناية خاصة حتى تصبح جاهزة للبيع والذبح خلال العيد.

وأشار إلى أن السلطات الفرنسية تشترط احترام مجموعة من القوانين المتعلقة بالنظافة والصحة العامة والرفق بالحيوان، ما يفرض على الجزارين العمل داخل مسالخ مرخصة وتحت مراقبة بيطرية دقيقة، مع إعداد ملفات إدارية والحصول على تراخيص مسبقة لممارسة الذبح خلال فترة العيد.

وفي هذا الإطار، يبرز دور الجمعيات الدينية والثقافية كحلقة وسيطة بين المسلمين والمؤسسات الرسمية، سواء في تنظيم الشعيرة أو في التخفيف من آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

ومن جهته، تحدث أبوبكر البكري نائب رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وممثل الجالية الإسلامية والكاتب العام للمجلس الجهوي لمدينة نيس (جنوب شرق فرنسا)، عن واقع المسلمين في المنطقة والتحديات التي تواجههم في إحياء هذه الشعيرة الدينية.

وأوضح البكري في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ أن عيد الأضحى لا يزال يحظى بمكانة كبيرة لدى الجالية المسلمة في مدينة نيس وفي منطقة الألب البحرية عموما، مشيرا إلى أن المسلمين يحرصون على إحياء شعائر العيد رغم الصعوبات المتزايدة التي تواجههم، خاصة ما يتعلق بشعيرة الأضحية.

وأكد أن التحدي الأكبر يتمثل أولا في ارتفاع أسعار الأضاحي في السنوات الأخيرة، وثانيا في القيود القانونية والتنظيمية المرتبطة بعمليات الذبح داخل فرنسا، باعتبارها دولة أوروبية تفرض شروطا وإجراءات خاصة، مضيفا أن عدد المسالخ المخصصة للذبح الشرعي في المنطقة محدود جدا، ولا يستجيب لحجم الطلب الكبير خلال فترة العيد.

وأشار إلى أن المنطقة لا تتوفر إلا على مسلخ واحد مخصص أساسا للمهنيين، وهو غير كاف لتلبية حاجيات عشرات الآلاف من المسلمين المقيمين في مدينة نيس وضواحيها، ما يدفع الكثير من الأسر إلى التنقل نحو مناطق ومدن مجاورة من أجل أداء شعيرة الذبح.

كما أوضح أن الجمعيات والمساجد تقوم منذ سنوات بعدة اتصالات مع السلطات المحلية والبلديات من أجل إيجاد حلول عملية وتنظيم أفضل لعملية الذبح خلال العيد، لكن هذه المساعي لم تحقق نتائج كافية إلى حدود اليوم.

وفي حديثه، عن الجانب الاقتصادي، أكد البكري أن ارتفاع أسعار الأضاحي خلال السنوات الأخيرة زاد من معاناة الأسر المسلمة، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

ومن ناحيته، قال صالح فرهود رئيس المركز الثقافي المصري الفرنسي وإمام مسجد الروضة بضاحية ستان في باريس، إن عيد الأضحى يمثل مناسبة للفرح والتقارب بين المسلمين بمختلف جنسياتهم، مشيرا إلى أن المسجد يحرص كل سنة على توفير أجواء احتفالية وروحانية مميزة للعائلات والأطفال، من خلال أنشطة ترفيهية وتوزيع الهدايا والحلويات وتنظيم فضاءات خاصة للأطفال.

وأضاف فرهود في تصريحات لـ /قنا/، أن هناك تعاونا دائما مع البلدية والأجهزة الأمنية لضمان تنظيم صلاة العيد في ظروف جيدة، مع احترام احتياجات الجالية المسلمة، مشيرا إلى أن الجمعيات الإسلامية أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المسالخ المعتمدة والحلول التنظيمية الحديثة لتسيير عملية الأضاحي، إضافة إلى تنامي المبادرات الخيرية لإرسال قيم الأضاحي إلى دول إفريقية وآسيوية.

وفي هذا السياق، تحدث كمال عمار رئيس جمعية "مودة" الخيرية المختصة في توزيع الأضاحي على المحتاجين والفقراء خارج فرنسا، عن الدور البارز الذي تلعبه الجمعيات الخيرية في تنظيم الأضاحي وتوجيه المساعدات الإنسانية لمستحقيها خلال هذه المناسبة.

وأوضح عمار في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن جمعية "مودة" تنشط في مجالات الإغاثة الغذائية والتعليم والصحة، إضافة إلى دعم المخيمات والعائلات المحتاجة في سوريا ولبنان وفلسطين، وأن نشاطها يتضاعف خلال عيد الأضحى وشهر رمضان.

وأكد أن عمليات توزيع الأضاحي تتم بالتعاون مع جمعيات وشركاء محليين في سوريا ولبنان، فيما يتم أحيانا التنسيق مع جمعيات أخرى تنشط في القارة الإفريقية من خلال تمويل مشاريع الأضاحي هناك.

ومع محاولات السلطات الفرنسية تنظيم المجال العام وفق معايير صارمة، تسعى الجالية المسلمة إلى الحفاظ على جوهر الشعيرة عبر أشكال جديدة من التكيف، سواء عبر التنظيم الجمعياتي أو الحلول الفردية أو المبادرات التضامنية، ليعكس قدرتها على إعادة تشكيل ممارساتها الدينية داخل بيئة مختلفة، دون التخلي عن رمزية الشعيرة ودلالاتها الروحية والاجتماعية.

أخبار ذات صلة

مساحة إعلانية

تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير

أخبار متعلقة :