الجفاف.. التصحر
الدوحة - قنا
تعود ظاهرة النينيو المناخية لتفرض نفسها من جديد على المشهد المناخي العالمي، وسط تحذيرات دولية من تداعياتها الواسعة على درجات الحرارة وأنماط هطول الأمطار، وما يرتبط بذلك من تأثيرات واسعة على الأمن الغذائي والموارد الطبيعية والمائية والاقتصادات في العديد من الأقاليم المناخية حول العالم.
وتعرف ظاهرة "النينيو" بأنها جزء من تذبذب مناخي طبيعي يعرف بـالتذبذب الجنوبي، حيث يحدث ارتفاع غير اعتيادي في درجات حرارة سطح المياه، خاصة في الجزء الأوسط والشرقي من المحيط الهادئ الاستوائي، ما يؤدي إلى تغييرات واسعة في أنظمة الطقس العالمية.
وبحسب بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن عودة ظاهرة النينيو غالبا ما ترتبط بارتفاع ملحوظ في متوسط درجات الحرارة العالمية، إذ تسهم في تسجيل مستويات تعد من بين الأعلى على الإطلاق، نتيجة تفاعلها مع ظاهرة الاحتباس الحراري.
وتشير البيانات إلى أن السنوات التي تشهد نشاطا قويا للنينيو تسجل زيادات في درجات الحرارة تتجاوز المعدلات الطبيعية، ما يؤدي إلى تفاقم موجات الحر في العديد من المناطق، لا سيما في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة سيليستى ساولو الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن المنظمة ستراقب الأحوال الجوية بعناية خلال الأشهر المقبلة، لتوفير المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات المناسبة.
وأشارت إلى أن آخر ظاهرة للنينيو سجلت في العامين 2023-2024، وتعد واحدة من أقوى خمس ظواهر مسجلة لدى المنظمة، وكان لها تأثير واضح في المستويات القياسية لدرجات الحرارة التي شهدها العالم في عام 2024.
وأضافت أن التنبؤات الموسمية بظاهرة النينيو تساعد على تجنب خسائر اقتصادية تقدر بملايين الدولارات، كما تعد أدوات تخطيط أساسية للقطاعات المتأثرة بالمناخ، مثل الزراعة والصحة والطاقة وإدارة المياه، فضلا عن كونها جزءا رئيسيا من المعلومات المناخية التي توفرها المنظمة لدعم العمليات الإنسانية وإدارة مخاطر الكوارث، ومن ثم إنقاذ الأرواح.
وفيما يتعلق بالأمطار، تؤدي هذه الظاهرة إلى اختلال كبير في توزيع معدلات هطولها، حيث تتسبب في أمطار غزيرة وفيضانات في بعض المناطق، مثل السواحل الغربية لأمريكا الجنوبية، في حين تؤدي إلى جفاف حاد في مناطق أخرى، خاصة في أستراليا وأجزاء من جنوب شرق آسيا.
وتحذر تقارير الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي بالولايات المتحدة الأمريكية، من أن هذه التغيرات قد تؤثر بشكل مباشر على القطاع الزراعي، وإمدادات المياه، وإنتاج الطاقة الكهرومائية، ما يزيد من حدة الأزمات البيئية والاقتصادية في الدول المتأثرة بالظاهرة.
وفي سياق تأثيرات ظاهرة "النينيو" على الغذاء، فإن آثارها تتداخل مع التحديات القائمة في قطاع النظام الغذائي العالمي، حيث تؤدي موجات الجفاف أو الفيضانات إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على الزراعة المطرية، وتحذر منظمة الأغذية والزراعة العالمية التابعة للأمم المتحدة من أن الظواهر المناخية المتطرفة المرتبطة بالنينيو قد تؤدي إلى تفاقم انعدام الغذاء، لا سيما في المناطق التي تعاني أصلا من النزاعات أو الأزمات الاقتصادية.
ولا تقتصر تداعيات "النينيو" على القطاع الزراعي فحسب ، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية استيرادا وتصديرا، وأسعار السلع الأساسية، والتأمين، والبنية التحتية، نتيجة الكوارث الطبيعية المرتبطة بها، كما أنها تسهم في زيادة مخاطر حرائق الغابات في بعض المناطق، وارتفاع مستوى سطح البحر بشكل مؤقت، إلى جانب تأثيرها على التنوع البيولوجي، خاصة في النظم البحرية.
وحول فهم طبيعة ظاهرة النينيو، وما يميزها عن غيرها من الظواهر المناخية، قال السيد محمد علي الكبيسي رئيس قسم التنبؤات والتحاليل بإدارة الأرصاد الجوية في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، إن ظاهرة "النينيو"، هي حالة من الاحترار غير المعتاد في مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي، خصوصا في أجزائه الوسطى والشرقية، ويترتب عليها تغيرات واسعة في حركة الرياح والتيارات الجوية على مستوى العالم.
وأوضح أن ما يميز هذه الظاهرة المناخية عن غيرها أنها ذات تأثير عالمي مباشر، إذ لا تنحصر آثارها في منطقة واحدة، بل تمتد لتؤثر في أنماط الطقس في قارات مختلفة، وغالبا ما ترتبط بزيادة احتمالات الظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الحر الشديدة، الأمطار الغزيرة، الفيضانات، والجفاف، نتيجة إعادة توزيع الحرارة والرطوبة في الغلاف الجوي.
وحول العوامل التي تؤدي إلى نشوء هذه الظاهرة، ولماذا تتكرر بشكل غير منتظم، أوضح الكبيسي أن ظاهرة النينيو تنشأ نتيجة ضعف الرياح التجارية فوق المحيط الهادئ، ما يسمح بتراكم المياه الدافئة قرب سواحل أمريكا الجنوبية بدل انتقالها نحو غرب المحيط، وهذا الاحترار يؤثر في توازن النظام الجوي، ويؤدي إلى تغير أنماط الضغط والرياح على المستوى العالمي، أما عدم انتظام تكرارها، فيعود إلى طبيعة التفاعل المعقد بين المحيط والغلاف الجوي، حيث تتكرر النينيو عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، ويصعب التنبؤ بتوقيتها بدقة مسبقة بسبب عوامل مناخية متداخلة.
وأضاف رئيس قسم التنبؤات والتحاليل بإدارة الأرصاد الجوية، أن ظاهرة النينيو تسهم عادة في رفع متوسط درجات الحرارة العالمية، حيث تضيف كميات كبيرة من الحرارة إلى الغلاف الجوي، وقد شهد العالم خلال فترات نينيو سابقة تسجيل درجات حرارة قياسية، خاصة عند تزامنها مع تأثيرات التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية، ومع عودتها، يتوقع أن تسود درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية في مساحات واسعة من العالم.
أما على صعيد تأثير الظاهرة على أنماط هطول الأمطار عالميا، قال إن النينيو تؤدي إلى اختلال واضح في توزيع الأمطار على مستوى العالم، حيث تشهد بعض المناطق أمطارا غزيرة قد تصل إلى حد الفيضانات، في مقابل تراجع كبير في كميات الأمطار بمناطق أخرى، فعلى سبيل المثال ترتبط هذه الظاهرة بزيادة الأمطار في أجزاء من الأمريكيتين وشرق إفريقيا، بينما تؤدي إلى موجات جفاف في أستراليا وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا، ويعود ذلك إلى تغير مسارات التيارات النفاثة ومناطق الضغط الجوي، ما يؤثر في حركة السحب والأنظمة المطرية عالميا.
وحول الاستعدادات اللوجستية للجهات المختصة بدولة قطر لرصد مثل هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر، أكد أن إدارة الأرصاد الجوية بالهيئة العامة للطيران المدني، تعتمد على بيانات ونشرات المراكز العالمية المعتمدة، وفي مقدمتها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، إلى جانب النماذج الجوية المختلفة، كما تشغل منظومة رصد متكاملة تضم محطات حديثة لصور الأقمار الاصطناعية، ورادارات جوية تعمل على مدار الساعة، مع تعزيز التنسيق لإصدار التنبيهات والتحذيرات في الوقت المناسب.
وختم السيد محمد علي الكبيسي رئيس قسم التنبؤات والتحاليل بإدارة الأرصاد الجوية حديثه لـ/قنا/، عن مستقبل ظاهرة النينيو وتأثيراتها المحتملة خلال السنوات المقبلة، بالقول إن التوقعات الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تشير إلى احتمالية مرتفعة لعودة ظاهرة النينيو اعتبارا من منتصف عام 2026، مع إمكانية أن تكون ذات تأثير قوي نسبيا، ومن المتوقع أن تسهم في استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميا وزيادة مخاطر الظواهر الجوية.
ووفقا لخبراء المناخ، فإن تكرار وشدة ظاهرة النينيو قد تزداد في ظل التغيرات المناخية السائدة، ما يجعل من الضروري تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين استعداد الدول لمواجهة الكوارث، وتبني سياسات تكيف فعالة، كما يشددون على أهمية التعاون الدولي في تبادل البيانات المناخية، ودعم الدول الضعيفة الأكثر عرضة للتأثر بالظاهرة، خاصة في قارتي إفريقيا وآسيا، لتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :