مضيق هرمز
بغداد - قنا
يشكل إغلاق مضيق هرمز، ولو بشكل جزئي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، أحد أخطر التطورات التي تضرب أسواق الطاقة العالمية، نظرا لكونه شريانا حيويا تمر عبره نحو خمس إمدادات النفط في العالم.
ولم يقتصر تأثير هذا الإغلاق المحدود على الأسواق الدولية فحسب، بل وضع دولا تعتمد بشكل رئيسي على النفط، وفي مقدمتها العراق، أمام تحديات اقتصادية غير مسبوقة تهدد استقرار إيراداتها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.
وقد أدى إغلاق المضيق إلى تعطل تدفقات النفط من منطقة الخليج، ما انعكس بشكل مباشر على صادرات العراق التي تعتمد بصورة كبيرة على الموانئ الجنوبية المرتبطة بهذا الممر الحيوي.
وفي هذا الصدد، قال عبد الصاحب بزون الحسناوي المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/: إن التوترات الإقليمية أثرت بشكل واضح على قطاع الطاقة، مشيرا إلى توقف تصدير النفط منذ 8 مارس الماضي مع استمرار استقرار إمدادات المشتقات النفطية داخل البلاد.
وأوضح الحسناوي أن الحكومة تحركت سريعا لإيجاد بدائل من خلال استئناف التصدير عبر إقليم كوردستان باتجاه ميناء جيهان التركي، بمعدل يقارب 72 ألف برميل يوميا مع خطط لتشغيل الأنبوب العراقي - التركي بطاقة تصل تدريجيا إلى 1.6 مليون برميل يوميا.
كما أشار إلى بدء تصدير كميات من النفط الأسود عبر الأراضي السورية في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغط على القطاع النفطي رغم محدودية هذا الخيار.
بدوره، أكد عاصم جهاد الخبير النفطي العراقي، أن العراق يعد من أكثر الدول تضررا من أي إغلاق لمضيق هرمز وربما الأكثر هشاشة ماليا بين كبار المنتجين في المنطقة؛ نظرا لاعتماده شبه الكامل على تصدير النفط عبر المنافذ الجنوبية، إضافة إلى أن أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة تأتي من القطاع النفطي.
وأشار جهاد في حديثه لـ /قنا/ إلى أن هناك دولا تمتلك منافذ تصدير بديلة جزئيا خارج مضيق هرمز ما يمنحها قدرا من المرونة في مواجهة الأزمات، في حين يعتمد العراق إلى جانب الدول المطلة على الخليج العربي بشكل مباشر على هذا الممر الحيوي لتصدير نفطه.
وبين أن العراق كان قد صدر خلال شهر فبراير الماضي نحو 99.87 مليون برميل بمعدل يومي يقارب 3.57 مليون برميل، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على التصدير الخارجي، إلا أن تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات النفطية، والتي من المرجح أن تتفاقم في حال استمرار هذا الوضع.
وأوضح الخبير النفطي أن البدائل الحالية محدودة، إذ يقتصر التصدير على المنفذ الشمالي عبر ميناء جيهان التركي بطاقة تتراوح بين 170 إلى 250 ألف برميل يوميا، إضافة إلى كميات محدودة تنقل عبر الشاحنات، وهي مستويات لا يمكن أن تعوض خسارة الصادرات عبر الجنوب.
وأضاف أن العراق يواجه أزمة مزدوجة تتمثل في توقف منفذ التصدير الرئيسي إلى جانب الاعتماد المالي الكبير على النفط ما يضع المالية العامة تحت ضغط شديد، ويحد من قدرة البلاد على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط العالمية أو تلبية الطلب المتزايد.
وحذر جهاد من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تحديات مالية كبيرة قد تدفع الحكومة إلى اللجوء للاقتراض أو إصدار السندات لتغطية النفقات.. مشيرا إلى أن قدرة العراق على الصمود في ظل هذه الظروف تبقى محدودة زمنيا.
ودعا إلى ضرورة مراجعة استراتيجية شاملة لقطاع الطاقة، تتضمن تنويع منافذ التصدير وتوسيع طاقات التخزين، وزيادة قدرات التكرير والتحويل داخل البلاد، كما شدد على أهمية إنشاء مخزونات نفطية خارجية في الأسواق الآسيوية كما تفعل بعض الدول المنتجة، لتعزيز المرونة في مواجهة الأزمات.
وأكد أن إغلاق مضيق هرمز لا يمثل أزمة تصدير فحسب بل قد يتحول إلى أزمة مالية شاملة تمس الموازنة العامة والرواتب، ما يستدعي تحركا سريعا وإصلاحات استراتيجية عميقة لضمان استقرار الاقتصاد العراقي مستقبلا.
من جانبه، أكد ضرغام محمد علي الخبير النفطي العراقي، في تصريح مماثل لـ /قنا/، أن أكثر من 90% من صادرات النفط العراقية كانت تمر عبر مضيق هرمز قبل إغلاقه بشكل جزئي، باستثناء كميات محدودة عبر الأنبوب التركي الذي ظل متوقفا لأكثر من عام، إضافة إلى صادرات محدودة تنقل برا إلى الأردن، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على هذا الممر الحيوي.
وبين أن العراق يواجه تحديين رئيسيين في ظل هذه الأزمة، أولهما يتمثل في الإغلاق القسري لبعض الآبار النفطية نتيجة محدودية الطاقات الخزنية، ما يؤدي إلى فقدان الضغط المكمني داخل الحقول النفطية، وهو ما يتطلب وقتا وتكاليف إضافية لإعادة الإنتاج إلى مستوياته السابقة.
أما التحدي الثاني، فيكمن في ضعف البدائل اللوجستية للتصدير، حيث لا يمكن للخيارات الحالية تعويض الكميات التي كانت تصدر عبر المنافذ الجنوبية، ما يضع ضغوطا متزايدة على القطاع النفطي ويهدد استمرارية تدفق الإيرادات.
وفي السياق ذاته، أوضح رزاق هميم المحلل الاقتصادي العراقي، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية، أن مضيق هرمز يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية، بما يقارب 20 مليون برميل يوميا، ما يجعله شريانا حيويا لاستقرار أسواق الطاقة.
وقال هميم: إن العراق يعتمد بشكل شبه كامل على هذا الممر لتصدير نفطه، لا سيما من موانئ البصرة، ويمثل إغلاق المضيق صدمة كبيرة للعراق، إذ يؤدي إلى توقف الصادرات النفطية وخفض الإنتاج بشكل قسري.
ولفت إلى أن التقديرات تشير إلى تراجع الإنتاج إلى نحو 1.4 مليون برميل يوميا بعد اندلاع الأزمة، مقارنة بنحو 3.25 مليون برميل يوميا قبلها.
كما يضع هذا التراجع البلاد أمام أزمة مالية حادة نتيجة انخفاض الإيرادات، ما قد ينعكس على قدرة الحكومة على تغطية الرواتب والنفقات التشغيلية، فضلا عن توقف المشاريع الاستثمارية، مع احتمالية اللجوء إلى الاقتراض، وما يترتب على ذلك من أعباء مالية إضافية وتأثيرات على القرارين الاقتصادي والسياسي.
وأضاف أنه بالرغم من اتخاذ الحكومة العراقية إجراءات تهدف إلى تقليل الإنفاق وتعظيم الإيرادات غير النفطية، فإن هذه الخطوات لا تزال محدودة التأثير، ولا ترقى إلى مستوى التحديات التي تفرضها الأزمة الحالية.
وفي ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن أزمة إغلاق مضيق هرمز مجرد تحد مؤقت، بل مرشحة لأن تتحول إلى ضغط اقتصادي واسع على العراق، في حال استمرار تعطل تدفقات النفط عبر هذا الممر الحيوي، خاصة في ظل الاعتماد الكبير على العائدات النفطية كمصدر رئيسي للدخل.
وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى موازنة التعامل مع التداعيات الآنية للأزمة، عبر إجراءات تخفف من آثارها المباشرة، مع المضي في مسارات تدريجية لتعزيز مرونة القطاع النفطي، بما يشمل تنويع منافذ التصدير وتطوير البنية التحتية، بما يدعم قدرة الاقتصاد العراقي على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
أخبار ذات صلة
مساحة إعلانية
تم ادراج الخبر والعهده على المصدر، الرجاء الكتابة الينا لاي توضبح - برجاء اخبارنا بريديا عن خروقات لحقوق النشر للغير
أخبار متعلقة :